هل في سورية فساد أو إنّ الفساد في سورية ؟ ، وما الأسباب التي تحدّ من مكافحته ؟!.

الجزء الثّالث


كنت في الجزء الثّاني قد أشرت لضرورة أن يكون للأحزاب السّياسيّة دورها في الكشف عن الفساد والفاسدين ، وأشرتُ لتمسّك السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد بالحفاظ على مضمون المواطنة والحرص عليها في بناء الدّولة ، وسأكون في الجزء الثّالث مع أمثلة لبعض الحالات في الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش والجهاز المركزيّ للرّقابة الماليّة ، لنجيب على سؤال : " هل في الهيئة المركزية للرّقابة والتّفتيش فساد ؟! ، وهل هناك مؤشّرات علاقة فساد تربطها بوزارة التّربية أو غيرها ؟!" .

فقد سبقت الإشارة في الجزء الأوّل لبعض مقالاتي عن دور التّربية في مكافحة الفساد ومحاربته ، وبعض الحوارات التي أجرتها الفضائيّة السّوريّة بتاريخ 13/12/ 2015 م ضمن حلقة بعنوان : " التّربية تحارب الفساد " ، وكذلك في لقاء آخر بُثَّ من قناة أوغاريت بتاريخ 19/4/2019 م ضمن حلقة بعنوان : 
" التّربية في مكافحة الفساد " وتمّت الإشارة لبعض المعايير لإنشاء وزارة أو منظومة تُعنى بمكافحة الفساد ، تضمّ الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش والجهاز المركزيّ للرّقابة الماليّة ، وضرورة عدم تبعية تلك المنظومة لرئاسة الوزراء ، فليس من المعقول أن تكون تلك المنظومة كحال الهيئة المركزيّة حاليّاً ، ولا بدّ من تغيير تبعيّتها من رئاسة الوزراء إلى مجلس الشّعب بعد تفعيل الدّور الرّقابيّ لمجلس الشّعب بحيث يكون فاعلاً عموماً وليس منفعلاً بانتفاضة انتخابات المجلس قُبيلَ انتهاء الدّور التّشريعيّ الخاص عندما يصحو الأعضاء فجأة بعد مرحلة سبات لسنوات ، بما أنّ حجب الثّقة موجود في الورق دون أن يتمّ على الأرض عن وزير أو حكومة في تاريخ مجلس الشّعب ، وهذا ما أشرتُ له أيضاً في الجزء الثّاني من بحثي بعنوان : " ماذا يأمل الشّعب العربيّ السّوريّ من السّيّد الرّئيس بعد أداء القسم ؟!" _ وهو منشور في ( معهد طهران للدّراسات والأبحاث الدّوليّة ) بتاريخ 5/7/2021م ، وأكّدت قبلاً بأنّي على استعداد لتقديم ذلك لمقام السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد واطّلاعه شخصيّاً على الدّراسة المتعلّقة بتلك المنظومة ومعاييرها وآليّات مكافحة الفساد ، واستناداً لعدم فاعلية مجلس الشّعب وغياب دوره في إطار مكافحة الفساد _ وفق الواقع الرّاهن لدور مجلس الشّعب _ ، فإنّي أرى أن تكون _ تلك المنظومة الجديدة التي يمكن إنشاؤها أو حتّى الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش نفسها _ تابعة للمكتب الخاص بالسّيّد الرّئيس لتُعنَى بمتابعة عمل الوزراء وأدائهم والمديريّات التّابعة لكلّ وزارة بناء على تقاريرَ ومعلوماتٍ ومعطياتٍ ، ويمكن تشكيل لجنة حاليّاً موثوقة من السّيّد الرّئيس للبحث في ملفّات الدّيوان وتطلب بعض الأضابير والقضايا بما له علاقة بالحكومة ورئاستها _ كون المواطن ليس بفاسد _ لأنّ هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير عبر الثّلاثيّ مجلسي الشّعب والوزراء والهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش ، وإذا بحثنا في ديوان الهيئة عبر الصّادر والوارد لها لربّما وجدنا ملفّاتٍ لم يُعمَل لها أو يتمّ فتحها حتّى تاريخه ، وقد تكون أكبر من قضية حجز أموال وسوى ذلك ، وقد تكون خلفها شخصيّات محدّدة أدّت لعدم فتحها ، وهناك حادثة سأذكرها على سبيل التّمثيل لا الحصر وذكرتُها عبر الإعلام الرّسميّ السّوريّ قبلاً . 
وبما أنّنا أمام استفحال التّردّي الإداريّ الذي نشهده في مؤسَّساتنا _ على نطاق واسع _ تُطرَح أسئلة كثيرة بصورة يوميَّة أو شبه يوميَّة تتعلَّق بحسن أداء هذه المؤسَّسات ، وهذا ما كان السّيّد الرّئيس يدعو له من تطوير الأداء والإصلاح , بما يخدم مصلحة مواطننا في الجمهوريَّة العربيَّة السّوريَّة , وبالتَّالي انعكاس ذلك على المصلحة الوطنيَّة من وجهة نظر عامَّة ، وهذا ما يدفع كلّ غيور على بلده وإنسانيّته للإسهام في تسليط الضّوء على ذلك الواقع لتجاوزه , وخلق حالة يستعيد فيها المواطن صورته المطلوبة , هذه الصّورة التي تعرَّضت للكثير ممَّا يشوبها , الأمر الذي بات يحول دون قيام مواطننا بواجبه بصورة مثاليَّة ، وحتَّى يتمّ ذلك لا بدّ من إعادة النَّظر في النّظام الإداري عبر التّطوير الإداريّ الذي أشار إليه السّيّد الرّئيس والعمل بفاعليَّة لتحقيق رؤاه وأهدافه المنشودة .
وانطلاقاً ممّا أشرت له فإنّي سأطرح في الجزء الحالي من البحث الأسئلة الآتية ، وهي برسم السّيّد الدّكتور بشّار الأسد رئيس الجمهوريَّة العربيَّة السّوريَّة ، لتعبّر عن حالة حدثت قبل سنين خلت ، والأسئلة تتعلّق بالآتي : 
ما تعريف الفساد ؟ ، وهل في الهيئة المركزية للرّقابة والتّفتيش فساد ؟! ، وهل هناك مؤشّرات علاقة فساد تربطها بوزارة التّربية أو غيرها في ضوء ما ذكرتُه ؟!. 
فقد اختلفت التّعريفات لمفهوم الفساد تَبَعاً لوجهات النّظر المختلفة لكلّ من يقوم بتعريف ظاهرة الفساد ، فقد عرَّفه بعضهم بأنَّه الانحراف الأخلاقيّ الذي يتمثّل بالابتعاد عن الطّريق المستقيم ، ومخالفة المعايير الأخلاقيّة التي رسّخها الدّين والعادات والتّقاليد والأعراف في المجتمعات , وعُرِّف بسوء استخدام السّلطة أو المنصب الإداريّ لتحقيق منافعَ شخصيَّةٍ حسب تعريف منظَّمة الشَّفافيَّة الدَّوليّة ، سواء أكانت هذه المنافع تعود للشّخص نفسه أم عائلته وأقاربه أم لمن له علاقة بالموظّف أو صاحب المنصب الإداريّ من قريب أو بعيد ، وتتمثّل ظاهرة الفساد بصورة عامّة بعمليات الاختلاس وإهدار المال العام والرّشوة وتزوير المستندات الرّسميّة والمحسوبيّة أو الإهمال والتقصير في أداء العمل الوظيفيّ وغيرها من الأساليب التي تسيء للموظّف ومهنته والمؤسّسة التي يعمل فيها ، ولعلّ الإجابة على السّؤالين الثّانيّ والثّالث تتمثّل في المثال الآتي الذي ذكرتُه في لقاء بُثَّ من قناة أوغاريت بتاريخ 19/4/2019 م ضمن حلقة بعنوان : 
" التّربية في مكافحة الفساد "،  فلمّا كان القرار القضائيّ المبرم المكتسب الدّرجة القطعيّة الصّادر عن مقام المحكمة المدنية الثّانية ( المحكمة العمّاليّة ) بدمشق ، والمصادق عليه من المحكمة الإداريّة العليا بتاريخ 25/1/2012م ، نتيجة رفض الطّعن المقدّم من وزارة التّربية برقم 3889/ لعام 2012م ، وفق القرار ذي الرّقم ( 99/ط ) ، فإنّ قرار الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش الصّادر برقم/ 3196/ بتاريخ 28/3/2007 م ، يعدّ لاغياً وباطلاً قانوناً ، وقد تمّ تنفيذ الحكم المبرم ، وتمّ نشره في الصّفحة السّادسة عشرةَ من العدد ( 343 ) الصّادر بتاريخ 18/2/2012م في مجلّة ( سالب موجب ) بدمشق ، ولكنّ مديرية تربية دمشق لم تقم بإزالة العقوبة أو إلغائها من البطاقة الذّاتية ، رغم تنفيذ مضمون القرار المبرم بإعادة المبلغ الذي تمّ حسمه بموجب قرار العقوبة الصّادر من الهيئة ، وهي التي تمّ إقرارها _ دون أن تستطيع وزارة التّربية والهيئة معاً إثباتها وفق ما جاء في مضمون القرار القضائيّ المبرم _ ، وذكرَت التّربيةُ في سجّل العقوبات قولها : ( تخلّفك عن أعمال التّصحيح ) ، وبالتّالي يعدّ ذلك الإجراء تزويراً بأوراق رسميّة ، وهو جنائي الوصف وفق المادة ( 445 ) و ( 446 ) و ( 448 ) و( 456 ) من قانون العقوبات العام في سورية تبعاً لحيثيات الموضوع الذي كنتُ قد أثرتُه في وزارة التّربية أثناء التّحقيق في الرّقابة الدّاخليّة وشهادة الشهود الذين أحضرَتهم التّربيةُ ، ولم تستطع والهيئة إثبات عملها الذي كان واضحاً فيه محاولة الافتراء ، وهذا ما يعاقب عليه القانون في المادة ( 393 ) ، وأثبت القضاء لاحقاً في الدّعوى صحّة ما ذكرتُه وبطلان ما ذهبَتْ إليه مديريةُ التّربية والهيئة معاً ، وقد تمّ إعلام الدّكتور هزوان الوز _ مدير التّربية آنذاك _ أثناء التّحقيق في المديرية ما تسعى له الرّقابة الدّاخليّة  ولم يكترث ، وأثبتَ القضاءُ عدمَ صحّة ما قامَت به التّربيةُ عبر المراقبة الدّاخليّة ، وما ذهبَت إليه الهيئةُ بالتّعاون مع التّربية ، ممّا يثبت النّوايا الجرميّة لديهما ، ثمّ قامت بطيّ العقوبة ، ولكنّها ما زالت موجودة عبر البطاقة الذّاتيّة .. 
 وكانت مديريّة التّربية قد أقرّت أيضاً عقوبة ( تنبيه بسبب إهمال ) في القرار رقم ( 502 ) تاريخ 3/4/2006م ، وكانت كسابقتها دون إثبات لخلوّ القرار من الاسم الذي سُجِّلت بموجبه العقوبة في البطاقة الذّاتيّة ، وهذا إثبات آخر لنوايا جرميّة تنسجم حالته وفق المواد الآنفة الذّكر في استعمال المزور والتّزوير والافتراء ، لأنّ القضاء أثبتَ كلّ ما ذكرتُه وثبتَ افتراءُ الهيئة وقبلها وزارة التّربية من خلال القرار القضائيّ المبرم الذي ألغى العقوبة التي أقرّتها الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش استناداً لما جاء في كتاب مديرية التّربية في دمشق أثناء تكليف الدّكتور هزوان الوز مديراً للتّربية فيها . 
وبالّتالي : فإنّ ما قامت به مديريةُ تربية دمشق ، ودائرة الرّقابة الدّاخليّة فيها ، وما ذهبَت إليه مديريّة التّربية بدمشق في دائرة الشّؤون الإداريّة وتسجيل عقوبة ( تخلّفك عن أعمال التّصحيح ) و ( تنبيه بسبب إهمال ) في غير محلّهما القانونيّ والتّزوير يعدّ ثابتاً من الموظّف الذي قام بهذا _ وهو من دائرة الشّؤون الإداريّة ، وبالتّحقيق يمكن معرفته من قبل الهيئة في تثبيت معلومات عن عقوبتين مذكورتين في البطاقة الذّاتيّة في القسم الخاص بذلك ، وتكون بذلك مديريّة التّربية ووزارة التّربية وكذلك الهيئة متضامنين مع الفاعل الموظّف في ارتكاب فعل جرميّ جنائي الوصف يتمثّل في التّزوير واستعمال المزوّر والافتراء في تسجيل عقوبات غير صحيحة ومحاولة تلفيق تهم لم يستطع أحد إثباتها في التّربية والهيئة من المحقّقين أو المفتّشين على حدّ سواء تبعاً لكلّ ما تقدّم .
وجاءت المطالبة للهيئة برقم ( 986 ) تاريخ 25/6/2018 لضرورة مساءلة العاملين المسؤولين عن تثبيت المعلومات في البطاقات الذّاتية في دائرة الشّؤون الإداريّة ضمن مديريّة تربية دمشق لمعرفة موثّق المعلومات في الدّائرة وقيامه بتزوير البطاقة الذّاتية ، وتسجيل عقوبتين دون أيّ مسوّغ قانونيّ ودون أيّ إثبات قانونيّ ، وهما : ( تنبيه بسبب إهمال ) في القرار رقم ( 502 ) تاريخ 3/4/2006 لخلوّ القرار من الاسم الذي سُجِّلت بموجبه العقوبة في البطاقة الذّاتيّة ، والثّانية التي ذُكِر فيها ( تخلّفك عن أعمال التّصحيح ) واستعمال المزوّر من قبل العاملين في المديريّة وضرورة المعاقبة لكلّ من كان سبباً بذلك .
وتمّت المطالبة بإلغاء العقوبتين من البطاقة الذّاتيّة وليس طيّهما وضرورة حذفهما منها ، وهما : 
أ_ عقوبة ( تنبيه بسبب إهمال ) في القرار رقم ( 502 ) تاريخ 3/4/2006 ، استناداً لثبوت حالة الافتراء وعدم الثّبوت في القرار المومى إليه . 
ب_ العقوبة المستندة لقرار الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش الصّادر برقم/ 3196/ بتاريخ 28/3/2007 م ، وذلك استناداً للقرار القضائيّ المبرم المكتسب الدّرجة القطعيّة الصّادر عن مقام المحكمة المدنية الثّانية ( المحكمة العمّاليّة ) بدمشق ، والمصادق عليه من المحكمة الإداريّة العليا بتاريخ 25/1/2012م ، نتيجة رفض الطّعن برقم 3889/ لعام 2012م ، وفق القرار ذي الرّقم ( 99/ط ) ، كونه يعدّ لاغياً وباطلاً قانوناً وإلغاء العقوبة التي تمّ إقرارها بذكرها ( تخلّفك عن أعمال التّصحيح ) ، وهذه أدلة الافتراء من أحد العاملين أو مجموعة من العاملين في مديرية التّربية بدمشق . 
وتمّت المطالبة أيضاً بمعاقبة العامل المسؤول عن التّزوير وإحالته للقضاء أصولاً وفرض العقوبات المسلكيّة اللازمة ، وضرورة التّحقيق مع المراقبة الدّاخليّة المحقّقة بموضوع القرار القضائيّ المبرم ومساءلتها عن أسباب عدم التّحقيق النّزيه ومحاولتها تغيير اتّجاه التّحقيق ، وثبوت ذلك من القرار القضائيّ المبرم ونتيجة عدم إجراء مقارنة خطوط واستكتاب ، والتّزوير لا يثبت إلا بذلك ، ممّا يؤكّد افتراءها. 
وكانت المطالبة الأبرز للهيئة بمساءلة السّيّد الدّكتور هزوان الوز وزير التّربية _ عندما كان على رأس عمله _  على ما يلي : 
أ_ لما سبق كونه كان مديراً لتربية دمشق سابقاً ، وكوني أعلمته أثناء تحقيق الرّقابة الدّاخليّة ، ولم يكترث ، ممّا ينسجم والحالة الجرميّة بالاشتراك في الجرم إن كان الافتراء أو سواه .
فهل يمثّل ما سبق حالة فساد بعد حالة التّعاطي والتّناغم بين الهيئة ووزارة التّربية ؟ وهل في الهيئة المركزية للرّقابة والتّفتيش فساد ؟! ، وهل هناك فساد في وزارة التّربية ؟! ، وهل هناك مؤشّرات علاقة فساد تربطها بوزارة التّربية أو غيرها ؟! وأين الهيئة من الدّكتور هزوان عندما كان التّحقيق معه في تربية دمشق قبل أن يكون وزيراً ومن تجاوزاته التي أدّت للحجز على أمواله وعدد من الموظّفين في الوزارة إبّان تعيينه وزيراً ؟! ، وأين جوابها على ما تمّ تقديمه للهيئة برقم ( 986 ) تاريخ 25/6/2018 وعدم البحث أيضاً في مضمون ما تمّت الإشارة إليه عن المناهج في وزارة التّربية ودورها في التّحريض على العنف منذ أيّام الدّكتور علي سعد وزير التّربية الأسبق ومنذ تكليف الدّكتور دارم طبّاع برئاسة مركز تطوير المناهج _ وهو الوزير الحالي في التّربية _ ؟!، وهذا ما سأترك بحثه للجزء الرّابع من البحث للوقوف على تفاصيله وأبعاده ، فآمل أن تكونوا معنا .. 

الباحث والمحلّل السّيّاسيّ :
وعضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية 
وعضو الجمعيّة السّوريّة للعلوم النّفسيّة والتّربويّة .