بوتين والغرب: البروتوكول سلاح المعركة


لمْ يكْ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاول ، ولنْ يكْ الاخير في الخروج عن قواعد البروتوكول الدبلوماسي في استقباله الرسمي لضيوفه او خلال الحديث معهم .
سبَقَهُ ،في هذا المضمار ، الرئيس الامريكي السابق رونالد ترامب ، وفي مناسبات عديدة ،اهمها ،خلال زيارته للمملكة المتحدة عام ٢٠١٨ ، حين تعمّدَ أنْ يتأخر في موعد وصوله لمقابلة الملكة اليزابيث بأكثر من ٢٠ دقيقة ، وهي تنتظره وقوفاً في صالة الانتظار وفي درجة حرارة عالية ، وحين تقدمّها باكثر من خطوتيّن عند تفتيشهما للحرس الملكي .
الفرق بين الزعيميّن هو أنَّ الرئيس الامريكي كان يخرج عن قواعد البروتوكول مع الحلفاء و الاصدقاء و الخصوم ، جهلاً او تجاهلاً منه احياناً ، او رغبة منه بالاستعراض الكوميدي امام عدسات الكاميرا ، بينما خروج الرئيس بوتين عن قواعد البروتوكول ، كان لهدف ايصال رسائل سياسيّة الى ضيفه وحلفاء ضيفه علناً ، وعبِرَ وسائل الاعلام .
حدثَ ذلك اكثر من مرّة مع رؤساء فرنسا ، وسنبيّن اسباب تعمّد الرئيس بوتين بأختيار رؤساء فرنسا دون غيرهم ضحيّة التجاوزات البروتوكولية .
بتاريخ ٢٠٢٢/٢/٧ ، استقبل الرئيس بوتين ضيفه الرئيس الفرنسي ماكرون في قصر الكرملين ، وكان اللقاء بمسافة متباعدة تُثير الانتباه و التساؤل ، تفوق بأضعاف مسافة التباعد المفروضة بسبب كورونا ، حتى ان الحديث بينهما لم يكْ مسموعاً دون الاستعانة بالوسائل الفنيّة ، وكانت علامات عدم الارتياح والتململ تبدوا واضحة في نظرات ووجه الرئيس ماكرون ، و أتمَ الرئيس بوتين احراجه لضيفه ، عند اختتام مؤتمرهما الصحفي المشترك ، حين غادر القاعة دون مصافحة نظيره ، مكتفياً بالاشارة بيده لاتباعهِ ، ومتقدماً امامه بأمتار .
لم يكْ تصرف الرئيس بوتين وليدة لحظة اللقاء وانما كان تصرفاً مدروساً و وفقاً لنقاط حديث و موضوع اللقاء ، والتي ( واقصد نقاط الحديث ) يتم تبادلها و الاتفاق عليها بين الطرفين مُسبقاً وقبل اللقاء . ولم يكْ سّراً بأن موضوع اللقاء هو ملف اوكرانيا ، كما لم يكْ سّراً بأن الموقف الفرنسي هو مرآة للموقف الامريكي و موقف الحلف الاطلسي ، ولم يأت الرئيس الفرنسي بجديد غير تكرار التحذير من مخاطر شّنْ حرب على اوكرانيا ، وتهديد الامن والسلم العالميّن ، ولا نعلمْ ، ربما تجاوز الرئيس الفرنسي في حديثه مع الرئيس بوتين من لغة التحذير الناعم الى لغة التهديد ، الامر الذي دفعَ الرئيس بوتين ان يرّدَ على الرئيس ماكرون عند اختتام المؤتمر ، بمغادرة القاعة وترك الرئيس ماكرون وحيداً يلمّلم اوراقة ويجري خلفه .
كرأي أولي ،دون معرفة بتفاصيل اللقاء ، نعتقدُ بخطأ سياسي دبلوماسي من قبل الجانب الفرنسي ، وخاصة الفريق المصاحب للرئيس الفرنسي ،كان عليه الاقتراح على الرئيس الفرنسي بالتحفظ على اجراء مؤتمر صحفي مشترك ،طالما بداية اللقاء لم تكْ موفقّة بروتوكوليا ،ناهيك مِنْ تباعد المواقف و افتقار اللقاء الى علامات التفاهم والرضا و حضور لنظرات عدم الارتياح والقلق .
تعاملَ الرئيس بوتين مع الرئيس الفرنسي ،ليس فقط بكونه رئيساً لفرنسا ،و انما بكونه ممثلاً عن التحالف الغربي ( امريكا و الناتو واوربا ) . ورسالة الرئيس بوتين ليس لفرنسا فقط وانما لامريكا وللناتو ولاوروبا .
للرئيس بوتين موقف مماثل مع الرئيس الفرنسي الاسبق، ساركوزي عام ٢٠٠٧ ، حيث التقى الرئيسان على هامش قمة الدول الثمانية في موسكو ، حينها انتقد الرئيس ساركوزي التدخل العسكري الروسي في الشيشان، وأدان اغتيال الصحفية آنا بوليتيكو ، بعدها ظهرَ الرئيس ساركوزي في ندوة صحفية، تلت مباشرة لقاءه الرئيس بوتين ،وكان في وضعٍ غير طبيعي ، وقيل حينها بسبب افراطه بتناول الكحول ، و لمْ تظهر الحقيقة الاّ عام ٢٠١٧، حيث افادت تقارير بأنه تعرّض لتهديد بالسحق، وكان في صدمة لما سمعه من الرئيس بوتين قائلاً ” ان بلدك بهذا الحجم الصغير، وبلدي بهذا الحجم الكبير، والآن انت امام حليّن؛ اما ان تستمر بالحديث بهذه اللهجة وعندها سأحطّمك و اما ان تغير اسلوبك وعندها بأمكاني جعلك ملكاً على كل اوربا”.