أفغانستان واستراتيجية الفوضى الأمريكية.


لا يكفي الولايات المتحدة الأمريكية، أنها تستنزف شعوب الدول المناهضة لسياساتها، عبر حروب عسكرية واقتصادية، بل تعترف وتتفاخر بتلك الحروب، وتسوّق لها مبررات واهية، بات الجميع يُدركها؛ الرئيس الأمريكي جو بايدن يقول: "أن الوقت قد حان لوضع حد لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها، وأن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سينتهي في 31 آب /أغسطس"، وقال: "إن الجيش الأمريكي حقق أهدافه في افغانستان بقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وضرب قدرات التنظيم ومنع مزيد من الهجمات على الأراضي الأمريكية".

التساؤل الجوهري في هذا الإطار، هل يحتاج قتل "إرهابي" من قبل الولايات المتحدة عشرون عاماً؟.

الغزو الأمريكي لـ أفغانستان كان ثمنه ملايين الأرواح، خاصة أن هذا الغزو جاء على خلفية أحداث 11سيبتمبر / أيلول،  للقضاء على ما يسمى تنظيم القاعدة وزعيمها "أسامة بن لادن"؛ الحقيقة هي أنّ ما قامت به الولايات المتحدة، ليس التخلص من تنظيم القاعدة، بل أرادت تغيير خطتها واستراتيجيتها لمنطقة أسيا الوسطى، وبالتالي غرب أسيا، لتتدخل في افغانستان وتقطع الطريق على روسيا الاتحادية والصين وإيران، ولتمنع الثلاثي المعادي للنهج الأمريكي، من الوصول والتموضع في غرب أسيا، والعكس صحيح.

الصين باعتبارها المنافس الاقتصادي الأول عالمياً للولايات المتحدة، وإيران القوة الإقليمية الأولى في غرب أسيا، والمنافس لها في العراق، وروسيا الاتحادية المنافس في القوة العسكرية والمتواجدة في سوريا، كلها معطيات هندست الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، فمنذ قرار غزو أفغانستان، بدأت واشنطن إنشاء قاعدة لها خلال السنوات المنصرمة، لتغذي حركة طالبان، التي يمولها "البنتاغون"، ولتكون خليفتها في المنطقة، وتُحدث الفوضى في العلاقات بين الدول المعنية في افغانستان، كـ روسيا وايران والصين.

خلال عهد ترامب تحددت ركائز الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع قضايا منطقة غرب أسيا، وهذا ما بدا جلياً في اتفاق الدوحة مع حركة طالبان "العدو الأساسي لواشنطن"، وعلى هذا الأساس تم غزو أفغانستان، إضافة إلى الذرائع الأمريكية المتعلقة بمحاربة الإرهاب، بينما في الواقع وتأكيد المعطيات، فإن الإرهاب نما وتمت تغذيته أمريكياً وخليجياً، وبات الإرهاب أداة وذريعة أمريكية، ليتم بموجبها غزو الدول المناهضة للسياسات الأمريكية.

تحديد موعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، جاء على قاعدة أن القوات الأمريكية أنهت مهمتها، لكن هذا التبرير هو محل شك وريبة، فالمتتبع لما يجري على الأرض الأفغانية، وخاصة في كابول العاصمة، يدرك جيداً أن عمليات الاغتيال لم تهدأ رغم اتفاق الدوحة، وأن الحركة رغم عدم تبنيها لبعض هذه الاعتداءات، إلا أنها ومنذ أن بدأ انسحاب القوات الأمريكية، كثفت الحركة هجماتها، وأعلنت عبر عضو فريق مفاوضي طالبان شهاب الدين ديلاوار سيطرتها على 85% من أراضي افغانستان، بعد سيطرتها على معبرين أساسيين مع إيران وتركمنستان بالتزامن مع الانسحاب الامريكي، كما أنهم استطاعوا السيطرة على "إسلام قلعة" أهم معبر حدودي أفغاني مع إيران، وقالت  طالبان أن مقاتليها سيطروا على معبرين حيوبين في غرب أفغانستان مستكملة الاستيلاء على هلال من الأراضي من الحدود الايرانية غرباً إلى حدود الصين في شمال شرق البلاد، والمعروف منطقيا أن الحركات الجهادية إن لم تغذيها جهات كبرى وقوى عُظمى، لا تستطيع القتال، وبالتالي الدعم الذي قدمته واشنطن لطالبان احتاج هذا القرار المفاجئ بالانسحاب، لكي لا تتمكن القوات الحكومية الافغانية من المواجهة، لأنها كانت تحظى بالدعم الجوي الأمريكي، وقد سُحب الآن.

ما بين تصريحات القادة الأفغان وقادة طالبان، تبقى الولايات المتحدة تتحكم بقبضة التغيرات الحاصلة، سواء عبر ما دعا إليه وزير الدفاع الأمريكي "لويد اوستن"، لجهة ممارسة ضغط دولي من أجل إبرام اتفاق بين الحكومة الأفغانية وطالبان عبر العلاقة المشتركة مع الطرفين المتنازعين"، أو عبر التحرك السريع لحركة طالبان في السيطرة على  ثلثي الحدود من طاجيكستان، والذي يُشكل قلقاً لموسكو، الأمر الذي ترجمته تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في مؤتمر صحفي: حيث قالت، "نشهد تصاعداً حاداً في التوتر عند الحدود الطاجيكية والأفغانية"، مشيرة إلى أن "طالبان احتلت في وقت قصير جزءاً كبيراً من الأراضي الحدودية، وتسيطر حاليا على ثلثي الحدود مع طاجيكستان".

تحالف طالبان والولايات المتحدة، زعزع الاستقرار عبر الحدود الأفغانية، من ايران إلى طاجيكستان، في محاولة لنقل التوتر إلى خارج البلاد، فقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية، عبر ذريعة أسامة بن لادن، خلق اكبر قاعدة لها في منطقة غرب أسيا، وتحديداً في أفغانستان، وفي العراق تحت ذريعة محاربة داعش وتنظيم القاعدة، واللذان يتشابهان في النهج والمضمون ذو الأبعاد الأمريكية، ودائماً هي عرابة الهيمنة والسيطرة، وبلباس مختلف في كل غزوة أو حراك.