التعاون الاستراتيجي الروسي الإيراني


زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران لم تكن صدفة، كما فسّرها البعض، خاصة أنها أول زيارة له، منذ انطلاق عهد الرئيس الإيراني السيد ابراهيم رئيسي، والذي أكد له دعم بلاده إقليمياً ودولياً، بينما قال وزير الخارجية الإيراني إنّ أميركا تتخذ خطوات عدائية ضدّ إيران وروسيا، وعلينا أن لا نسمح لها وللدول التي تدور في فلكها بفرض هيمنتها…

وبحث الجانبان الروسي والإيراني سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وإقرار اتفافية للتعاون الاستراتيجي، تحدّ من مفاعيل العقوبات الأميركية على البلدين، وذلك لجهة مقاربة وجهات النظر السياسية على كافة الأصعدة، لا سيما في ما يخصّ الحصار الأميركي المتكرّر عليهما لتدمير قوّتهما، فهل توقيت الاتفاق سيغيّر من خطط المواجهة، وما أهمية هذه الزيارة التي حملت أكثر من عنوان على المستوى الاستراتيجي وغيره؟

في إطار العلاقات الثنائية لكلا البلدين، هناك ثوابت محسومة لجهة التحديات التي تعيشها كلّ من روسيا وإيران، وهي متشابهة من حيث المنطق، وعلى هذا الأساس تمّت عملية التعاون الإيراني الروسي كنوع من تعزيز روابط هذه العلاقة، كما حصل مع الصين في ظلّ المتغيّرات الدولية، وهذا أمر طبيعي للاستفادة من التبادل التجاري، وفتح خطوط التعاملات المصرفية بعيداً عن الهيمنة الأميركية، إذ الهدف منه إفشال العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة هذا جانب…

وفي السياسة، اللافت للحديث هو دعم روسيا لمطالب إيران للعودة للاتفاق النووي ورفع العقوبات، وهذا حق موسكو في مواجهة المخاطر الأميركية التي تحدق عند حدودها ليس كما وصفها البعض كوسيط، إذ يتداول البعض حديثاً آخر لروسيا، وهو عن ضرورة بحث مجلس الأمن العدوان «الإسرائيلي» على مطار دمشق، وإثارة الخطط «الإسرائيلية» والأميركية لبناء نظام دفاع جوي مشترك ضدّ إيران، حكماً في ظلّ العقوبات الأميركية المتصاعدة منها والمتواصلة، تسير كلّ من روسيا وإيران بخطى كبيرة نحو التقارب والتعاون، تمثل مرحلة مفصلية حاسمة ضمن إطار التهديد الاقليمي الذي يحاصر المحور، أما بالنسبة لكلّ منهما يعتمد الآخر في سياساتهما بالتوجه شرقاً، إذ قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان على موسكو وطهران أن لا تسمحا لواشنطن بفرض هيمنتها مطالباً بإحياء الاتفاق.

والتقى لافروف الرئيس الإيراني، كما حمل رسالة من الرئيس بوتين إلى الإمام الخامنئي، وهذا من طبيعة الزيارة التي تكتسب أهمية خاصة على وقع السياسة الروسية وما يخصّ أوكرانيا وتداعيات الحرب من السر إلى العلن، وعليه فإنّ الصراع الذي نشب بين قطبين، لتتجه أنظار الوسائل الإعلامية إلى طبيعة العلاقة في توقيت هذا الاتفاق الذي يحمل عدة إشارات إيجابية في تغيير موقف موسكو حيال «إسرائيل»، والذي أشار لافروف إلى طرح موضوع الاعتداء «الإسرائيلي» على الاراضي السورية في الآونة الأخيرة…

ومن جهة إيرانية كانت أيضاً اشارة ايجابية وهي دخول رجال الأعمال دون تأشيرات إلى إيران، هذه الإشارات المتبادلة لها تصوّرات ليست فقط على الصعيد الاستراتيجي وربما أكثر من ذلك لطالما هناك الكثير من الأعمال المتبادلة بين الطرفين وفي جميع المجالات التي تفتح آفاقاً واسعة قد تطال ربما المجال العسكري، فكلّ شيء وارد…

كلّ هذه العوامل لها انعكاسات دولية، ولها مكامن قوة يصوغها الإيراني ويقرّها الروسي، بوضع اللمسات الأخيرة على المعاهدة الاستراتيجية الطويلة الأمد، وهي باتت أقرب من أي وقت مضى بحسب الخارجية الإيرانية، لتنظر واشنطن إلى هذه المشهدية بمنظورها الخاص، على أنها معقدة وغير متوازنة، وهذا طبعاً نتاج التوتر الحاصل بين روسيا وواشنطن جراء الحرب القائمة في اوكرانيا، وبين الولايات المتحدة وطهران لأسباب باتت معروفة وفاضحة للإدارة الأميركية، حرب شعواء خطيرة قد تغيّر من خطط المواجهة إزاء هذا الاتفاق لها انعكاسات دولية قد تتبلور قريباً لطالما هناك ملفات مفتوحة ومطروحة تخصّ سورية، وعلى خلفية هذه الزيارة التي تمثل نقلة نوعية تحاكي ربما تطورات كبيرة بموازين القوى في المنطقة لكبح جماح الدول العديدة ذات الثقل العالمي على الساحة الدولية والإقليمية.