دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي في مذكراته بين “المعلن والخفي”


هكذا حضرت الأخبار في حينها… أخيراً خرج رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي السابق، عن صمته ورجع مرة أخرى إلى دائرة الأضواء الإعلامية من خلال مذكراته الصادرة بعنوان “المعلوم والمجهول” التي نعرضها هنا. فبعد أن سبقه بوش إلى كتابة مذكراته وتبعه في ذلك بعض أركان الإدارة السابقة، ها هو رامسفيلد بكل ما أثاره من جدل يقرر الحديث عن السنوات التي قضاها على رأس البنتاجون في فترة دقيقة في التاريخ الأميركي شهدت حربين في أفغانستان والعراق. لكن لمن كان ينتظر من مذكرات رامسفيلد أن تكون تقييماً موضوعياً لتجربته في إدارة بوش ووقفة صادقة مع الذات لكشف الأخطاء، فلا شك أنه سيمنى بخيبة أمل كبيرة، إذ على امتداد صفحات الكتاب لم يحد رامسفيلد عن التبريرات التي كان يسوقها كلما حاصره الصحفيون، كما لم يبتعد عن تعاليه وتصريحاته الفظة أحياناً، لذا جاء الكتاب حافلاً بمحاولات الدفاع بدل الاعتراف بالخطأ وبإلقاء اللوم على الآخرين في كل ما يتصل بغزو العراق تخطيطاً وتنفيذاً، بل حتى بقرار الحرب الذي يُجمع الكثيرون على أنه كان قراراً كارثياً، لكن رامسفيلد يحمل مسؤوليته إلى فشل وزارة الخارجية في تهيئة العالم لتقبل الحرب وحشد أكبر عدد من الحلفاء دون أن ينسى وكالة الاستخبارات الأميركية التي لم تقدم، حسب رامسفيلد، معلومات استخباراتية موثوقة يمكن البناء عليها.البدايات حضرت عندما استعرض دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، في كتابه “المعلن والخفي”، العديد من التفاصيل التي لم يُكشف عنها حول خدمته مع أربعة رؤساء أميركيين، ومبعوثاً للرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان إلى لبنان والشرق الأوسط. كما يتناول التحديات أثناء فترة عملة وزيراً للدفاع الأميركي خلال هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، رغم أن روايته تفتقد إلى الإثبات. باختصار ليس الكتاب سيئاً، بل مثيراً للغضب. نعلم، أنه توجد أشياء معروفة معلنة: أي توجد أشياء نعلم أننا نعرفها. ونعلم أيضاً أن ثمة خفايا معروفة: أي أننا نعلم بوجود بعض الأشياء التي [نعرف] أننا لا نعرفها. وثمة خفايا غير معلنة – لكن وراء اللغة الغامضة تكمن حقيقة بسيطة عن المعرفة: ثمة العديد من الأشياء التي لا ندركها على الإطلاق في الواقع، أي توجد أشياء، ونجهل حتى أننا لا ندركها.إنه كتاب “المعلن والخفي: مذكرات وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد”، الصادر عام 2021، في نيويورك، ونقلته إلى العربية إيمان معروف، وصدر عن دار الرافدين. الكتاب يقع في 440 صفحة من القياس الكبير، يكشف فيه المؤلف عن حقبة دقيقة وعن أسرار حساسة من تلك المرحلة، وعن مقاربة الإدارات الأميركية المتعاقبة في تاريخ أميركا والشرق الأوسط، وكل من لبنان والعراق وأفغانستان وشماعة “الإرهاب والحرب المقدسة”، وما رافق ذلك من تطورات على مستوى العالم وكيف تصرفت أميركا بعقلية الكوي بوي أو الثور المذعور.الفكرة جاءت عندما سمع رامسفيلد أوّل مرّة عن نوع مختلف من عبارة “الخفايا المعلنة” في مناقشة مع مدير وكالة ناسا السابق ويليام آر غراهام، عندما عملا معاً في لجنة تقييم تهديد الصواريخ الباليستية، لكن مجتمع الاستخبارات الأميركية تعاملوا مع حقيقة أنهم يفتقرون إلى المعلومات حول “نشاط” محتمل، إذا تعذّر إثبات صحة شيء ما، فيمكن افتراض عدم صحته. وأدى هذا الرأي إلى سوء تقدير خطير لقدرات الصواريخ الباليستية لدى الدول الأخرى، والتي أثبتت في بعض الحالات أنها أكثر تقدماً مما كانوا يعتقدون سابقاً.المعلن والخفي ودور رامسفيلديتحدث رامسفيلد عن نفسه، أن حياته امتدت لأكثر من ثلث تاريخ الولايات المتحدة. يقول رامسفيلد: عندما تمعنت أكثر في هذه المذكرات والعنوان، بدت فكرة (المعلن والخفي) مناسبة، حيت لا يقتصر الأمر على وجود أشياء في هذا الكتاب يظن الناس أنهم يعرفونها عن حياتي، بل توجد أيضاً أشياء قد تفاجئ القارئ وتختلف عما قرأه أو سمعه أو افترضه الكثيرون. وينطبق الشيء نفسه على العديد من الأحداث التي لاحظتها خلال السنوات التي أمضيتها في الكونغرس. ويضيف: سافرت إلى بغداد بصفتي مبعوثاً للرئيس ريغان، ومثلت صفتي الرسمية تلك (الممثل الشخصي لرئيس الولايات المتحدة في الشرق الأوسط) أعلى مستوى للتواصل من أي مسؤول أميركي مع القيادة العراقية منذ 25 عاماً.يتابع رامسفيلد: “اعتبر النظام العراقي في ذلك الحين العدو اللّدود لدولتين تهددان مصالح الولايات المتحدة، سوريا وإيران. كانت سوريا، في عهد الرئيس حافظ الأسد، من أبرز المؤيدين للإرهاب الدولي واحتلت أجزاء من لبنان، بينما كانت إيران صديقة مقرّبة للولايات المتحدة حتى انقلاب عام 1979 الذي نفّذه إسلاميون بقيادة رجل دين يدعى آية الله الخميني”.
أولى المهام في العراقيزعم وزير الدفاع الأميركي الأسبق أن العراق بين هذين الخطرين المهدّدين، سوريا وإيران. ولابد أن الأمر تطلّب قدراً كبيراً من الجهد، أو على الأرجح ارتكاب بعض الأخطاء، كي تقف أميركا إلى الجانب السيئ من البلدان الثلاثة، بحلول عام 1983، كان ثمة منطق صريح لمحاولة تعميق العلاقات مع العراق في عهد صدام حسين. لقد انقلب سيل الحرب العراقية الإيرانية على العراق؛ حيث لم تتردد إيران في شن هجمات بشرية جماعية. ومهما بلغت مخاوفنا من التواصل مع صدام حسين، فإن بديل الهيمنة الإيرانية في الشرق الأوسط كان الأسوأ بالتأكيد. لقد أدركت إدارة الرئيس ريغان هذه الحقيقة وشرعت في إجراء اتصالات دبلوماسية على مستوى منخفض مع العراقيين قبل بضعة أشهر.وأضاف: أظهر صدام حسين قدرة مدهشة من الانفتاح على التعاون مع الغرب. وخلال المحادثات أكد قائلاً “لقد فهمت فرنسا على وجه الخصوص وجهة النظر العراقية”. وأضاف صدام: “نطلب المساعدة من الغرب”. كانت وجهة نظره واضحة: العراق بحاجة إلى الغرب لجعل بلاده جزءاً من العالم الحديث. بالنظر إلى الوراء، أتساءل إلى أي مدى كان من الممكن أن يتغير تاريخنا الحديث لو أن وجهة نظره تلك في ذلك الوقت فاقت أهدافه وشهواته الأخرى. وتابع رامسفيلد: بعد مضي نحو 90 دقيقة على الاجتماع شكرني صدام على حضوري وعبّرت عن تقديري له. على الرغم من غرابة الأمر، فقد بدا الرجل منطقياً إلى حد ما. كما أنّه بدا سعيداً بزيارة مسؤول أميركي رفيع المستوى يمثل الرئيس ريغان؛ إذ كان يعلم أن ذلك من شأنه أن يعزز مكانته في الداخل وفي المنطقة.لم أتوقع أن يضطلع نظام صدام بمثل هذا الدور البارز في مستقبل بلدنا -وفي حياتي- في السنوات المقبلة، وبعد توقف دام 17 عاماً، أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والعراق عام 1984، إبان مدّة قصيرة من لقائي به. وجمعتنا مصالح متقاربة: يمكن لأميركا أن تساعد العراق عن طريق ثني الدول الأخرى عن بيع الأسلحة لإيران.
مستنقع لبنانيكشف رامسفيلد في مذكراته، أنه مع بزوغ فجر 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1983، اتجهت شاحنة مسروقة محمّلة بالمتفجرات بما يعادل نحو 12 ألف رطل من مادة “تي إن تي”، صوب منشأة عسكرية أميركية في مطار بيروت الدولي – لبنان. وصف شاهد عيان ما لمحه على وجه السائق بأنه “موت مبتسم” بسبب تعابيره المبتهجة والمرعبة بينما تتجه الشاحنة نحو هدفها – مبني من 4 طوابق يسكنه 1600 رجل وامرأة يرتدون الزي العسكري ويرفعون علم الولايات المتحدة الأميركية. اندفعت الشاحنة عبر مدخل المبنى، وانفجرت انفجاراً هائلاً، وفي الوقت نفسه تقريباً استهدف انفجار ثانٍ عسكريين فرنسيين، مما أسفر عن مقتل 58 شخصاً فرنسياً. وعندما استقر هيجان الركام تبين أن 241 عسكرياً أميركياً قد لقوا حتفهم جراء الانفجار، كانوا جزءاً من فرقة بحرية وقوة متعددة الجنسيات نشرت في لبنان لتراقب وتضبط الفصائل المتحاربة في ذلك البلد. اعتبر تفجير مطار بيروت أكبر خسارة لمشاة البحرية في حادثة واحدة منذ معركة أيو جيما في الحرب العالمية الثانية، وحتى 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كان هذا أسوأ هجوم “إرهابي” استهدف مواطنين أميركيين على الإطلاق، بحسب رامسفيلد.أُرسل نائب الرئيس جورج بوش الأب إلى بيروت، في محاولة لإظهار تصميم أميركا. وتعهد بوش قائلاً: “لن نسمح لحفنة من الإرهابيين الماكرين الجبناء بصياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة”. يقول رامسفيلد: “راقبت المشهد بصمت ولم أكن مرتاحاً لما اختاره من كلمات. لم أعتقد أبداً أن الأشخاص المستعدين لقيادة شاحنة مفخّخة إلى داخل مبني وتفجير أنفسهم يمكن اعتبارهم جبناء. بل وجدتهم مجموعة من المتعصبين الخطرين المستعدين لفعل أي شيء لنصرة قضيتهم. لكنني أتفق معه في ضرورة عدم السماح للإرهابيين بصياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة”. ويضيف رامسفيلد في مذكراته، أنه بعد زمن قصير من تفجير بيروت، تلقى مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الأميركي آنذاك جورج شولتز، ينقل رغبة الرئيس ريغان، إنه بحاجة إلى تعيين مبعوث خاص جديد للشرق الأوسط للعمل على أزمة لبنان والمساعدة في صياغة الرد الأميركي على هجمات بيروت. وذكر شولتز أنهم أرادوا شخصاً من خارج الحكومة. وأضاف: أرجو منك أن تتولى الأمر. وقال رامسفيلد إنه إذا وافق على عرضه، فسوف تتمثل مهمته في دعم الحكومة اللبنانية والعمل مع حلفائها على حث السوريين على الحد من سلوكهم العدواني، والإشارة إلى التزام أميركا اتجاه المنطقة.
أضاف: “بلغني أن تاريخ المبعوثين الرئاسيين السابقين إلى الشرق الأوسط لم يكن سعيداً. ولاحظت الصعوبات التي واجهتها الدبلوماسية الأميركية في المنطقة على مدار السنوات التي أمضيتها في الكونغرس على أمل تحقيق اختراقات لكنّهم عادوا بخفيّ حنين، كانت نوايا ريغان اتجاه الشرق الأوسط منسجمة مع سياسته ضد السوفيات: استخدام القوة الأميركية لحماية وتشجيع تطلّعات الشعوب الحرّة؟ وردع أولئك الذين يعاندون السلام. أعلن الرئيس أننا لن نسمح للإرهابيين بطردنا من لبنان. وأدرك في الوقت نفسه أنه عندما يتعلق الأمر بالمناورات في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة تعالج قضية صعبة تتطلب قدراً كبيراً من الوقت والصبر للنجاح، تمكن ريغان طوال أزمة لبنان من إطلاق التصريحات الصحيحة – فقد أعلن أن أميركا لن تنكمش في وجه الإرهاب أو تتخلى عن أصدقائها في المنطقة. لكني ظننت منذ اجتماعنا الأول أن صياغة سياسة متسقة لن تكون أمراً سهلاً. كان من الصعب وضع معيار نحو هدف ما في غياب أرضية ثابتة يستند إليها. ومما زاد الأمور تعقيداً أنه في غضون تفجيرات بيروت عام 1983، كانت “إسرائيل” قد اجتاحت لبنان في حزيران/يونيو 1982. واستاء السوريون من الاحتلال الإسرائيلي، واستاء اللبنانيون من كل احتلال. ووسط كل هذا العداء شكلت فرقة صغيرة من الجنود الأميركيين جزءاً من قوة حفظ السلام متعدّدة الجنسيات.
وتابع: سرعان ما أدركت أن لبنان كان أيضاً موضوع جدل حاد حتى داخل الإدارة، حيث فضل الكثيرون في البنتاغون، بمن فيهم وزير الدفاع كاسبار واينبرغر، الانسحاب المبكر والكامل من البلاد. كانت القوات الأميركية التي لا تزال على الأرض في مواقع لا يمكن الدفاع عنها إلى حد كبير واستهدفت من قبل المتطرفين المدعومين من سوريا، وقيدت تحركات تلك القوات بشدّة بسبب الأخطار التي واجهتها. كانوا يعتمدون حسبما ذكر واينبرغر لاحقاً، “تكتيكات غير مجدية سعياً وراء أهداف لا يمكن تحقيقها”. حتى أن نائب الرئيس، جورج بوش خلال رحلته إلى بيروت بعد التفجيرات، أعرب علانية عن دعمه لوجودنا، ووصف مناشدات الرئيس اللبناني (أمين الجميل) للحصول على دعم أميركي بأنها غير مقنعة.على الجانب الآخر من القضية كان وزير الخارجية جورج شولتز الذي فضل الحفاظ على وجود عسكري أميركي للمساعدة في استقرار الحكومة اللبنانية. حظي الموقف بالدعم من قبل عدد من أقوى حلفائنا في المنطقة. إذ أوضح الملك حسين ملك الأردن، على سبيل المثال، أنه إذا غادرت الولايات المتحدة لبنان، فسوف تصبح عملياً خارج نطاق حراك الشرق الأوسط. والأخطر أن الملك شعر أنه بغياب ثقل أميركي موازن في لبنان، من المرجّح أن توجه سوريا انتباهها نحو الأردن، ثم نحو المملكة العربية السعودية. أخبرني صدام حسين خلال لقائنا في بغداد أنه يعتقد أن الولايات المتحدة لم تكن تبالي بالدخول السوري الأول إلى لبنان. لقد كانت تجربة مميزة بأن تكون الطرف المتلقي لمحاضرة يلقيها صدام حسين، خاصة عندما يكون على حق.يشرح رامسفيلد: لم يكن من المفترض أن يكون الرئيس أمين الجميل رئيساً، لكنه تولّى المنصب بعد مقتل شقيقه بشير. كان بشير الجميل سياسياً راديكالياً بالنسبة للشرق الأوسط وزعيماً ديناميكياً شاباً طرح احتمالات السلام مع “إسرائيل”. وهذا النمط من التفكير لم يفسح المجال أمامه لعقد صداقات مع حكام جامعة الدول العربية. وأدى اغتيال بشير الجميل إلى تولي شقيقه المتحفظ ذي التفكير الجاد مسؤولية الدولة المضطربة.
تحدث الجميل مطولاً في كل مرّة. كان يدرك أن آفاق بلاده المستقبلية، وكذلك آفاقه هو، محفوفة بالمخاطر. واضطر لمواجهة خصومه وأعدائه في كل مكان يلتفت إليه، سواء داخل حكومته أو خارجها. لقد أدهشتني مشاعره الصريحة. توصّل الجميل إلى الاعتقاد بأن الأمل الوحيد لنجاة حكومته وبلاده يكمن في الولايات المتحدة. ورأى أن بقاء القوات الأميركية والقوات الأخرى متعدّدة الجنسيات في لبنان يضع حداً لسوريا، مما يمنحه المتنفس اللازم لتشكيل حكومة ائتلافية وتوسيع سلطة الحكومة اللبنانية خارج بيروت.في البداية لمست أيضاً أنه مع تدهور الوضع الأمني في لبنان، بات اللبنانيون يعتمدون أكثر فأكثر على الولايات المتحدة. كانت أميركا، على سبيل المثال، تؤدي دوراً بالغ الأهمية في تدريب الجيش اللبناني الذي تدهور بشكل سيئ في خضم صراعاته الداخلية. ومع ذلك، لم أكن متأكداً من أن جهودنا حسنة النية كانت كافية.في إحدى الرحلات قمت بزيارة المقر العسكري اللبناني حيث التقيت بقيادتهم وبمدربين أميركيين. بدا أن جماعتنا يعملون على تدريب اللبنانيين على الأعمال التقليدية ضد الوحدات القتالية المحترفة بدلاً من التدريب على الاشتباك مع الميليشيات والخلايا الإرهابية الصغيرة. عندما كتبت لوزير الخارجية شولتز، تساءلت عما إذا كنا نعد العسكريين اللبنانيين لخوض المعارك الصحيحة، وتساءلت أيضاً عما إذا كانت الولايات المتحدة تضطلع بدور بارز جداً في السياسة اللبنانية. وفي الوقت الذي وصلت فيه إلى مسرح الأحداث، بدا أن الجميع يتوقع أننا سنساعد في اختيار أعضاء الحكومة اللبنانية بغض النظر عن معرفة بلدنا المحدودة بتعقيدات السياسة اللبنانية. والنتيجة المحتملة هي أن يُنظر إلى الحكومة على أنها دمية في يد الولايات المتحدة.وشعر الرئيس اللبناني بذلك رغم حديث إدارة ريغان عن التزامها اتجاه بلاده، لكنًه لم يكن مقتنعاً – وهذا مبرر. لم يكن متأكداً من أن الولايات المتحدة ستفي بوعدها بشأن حماية اللبنانيين!. نتيجة لذلك، خشي الجميل أن يضطر للاختيار بين عقد تسوية مع “إسرائيل” أو مع سوريا في محاولة للحفاظ على حكومته. لم يكن أي من هذين الخيارين مقبولاً لدى فصائل كبيرة من اللبنانيين؛ إذ من شأن التسوية مع “إسرائيل” أن تُلحق الضرر بعلاقات لبنان مع الدول العربية المجاورة. وكان الجميل، مثل معظم أبناء وطنه، حذراً أيضاً من الإسرائيليين ونواياهم، وأعرب عن خوفه من أن “إسرائيل” قد تلتهم بلاده، والبديل الأسوأ هو أن يكون تحت رحمة سوريا كما يكشف المؤلف.
الانسحاب الأميركي من لبنانفي أواخر كانون الأول/ ديسمبر 1983، تلقى وزير الدفاع الأميركي واينبرغر دعماً حاسماً لانسحاب سريع وكامل للقوات الأميركية من لبنان بناء على دراسة كلّف بها البنتاغون. ألقيت المسؤولية على القادة العسكريين على الأرض لفشلهم في الحصول على ضمانات أمنية كافية وأشاروا إلى أن قوات المارينز “لم تكن مدربة أو منظمة أو مؤهلة أو مدعومة للتعامل بشكل فعال مع التهديد الإرهابي في لبنان”. وأوصى التقرير بانسحاب قوات المارينز من لبنان.بعد نشر التقرير، أقرّ الرئيس ريغان بأن مهمة المارينز في لبنان كانت صعبة. وقال: «لقد أدركنا هذه الحقيقة منذ البداية، ونحن ندركها اليوم بأبشع صورة. لكن النقطة المهمّة هي أن قواتنا ساهمت للتو في الإنجازات التي أرست الأساس لسلام مستقبلي، وإصلاح الحكومة المركزية، وإنشاء جيش لبناني وطني فعال». وعندما سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة تخطط للبقاء في لبنان لإنجاز هذا العمل، أجاب الرئيس: «طالما يوجد أمل في تحقيق السلام، فعلينا أن نبقى».وقال رامسفيلد إنه كان لا بد من البحث عن أفضل طريقة لتقليص القوات الأميركية بأقل قدر من الضرر للبنان وأصدقائنا في المنطقة إن أمكن. من النادر وجود خيارات جيدة – بل فقط تلك الأقل سوءاً. وهذا ما كان عليه الحال في لبنان. حيت لا توجد لدينا بالكاد فرصة تقارب 60% من أجل تحقيق أهدافنا بشكل أو بآخر. وأضاف: لكني شعرت أنها أفضل من الانسحاب المتسرع الذي يترك لبنان تحت سيطرة السوريين ويسيء لسمعة بلدنا. ففي النهاية لم يكن قد مضى عقد على انسحابنا المتسرع من سايغون في نهاية الحرب مع فيتنام.وتابع: “في شهر كانون الثاني/ يناير 1984، عندما كان الكونغرس ومعظم حلفائنا على أهبة الاستعداد للانسحاب، تحوّل الوضع في لبنان إلى جحيم من العنف والاشتباكات. وبتشجيع من الإشارات الأميركية المتضاربة، صعّد السوريون و(حلفاؤهم) قصفهم لبيروت، مما تسبب في وقوع المزيد من الخسائر البشرية.. وفي المطار، تحصنت قوات المارينز خلف حواجز دفاعية جديدة في ظل قواعد الاشتباك المحاصرة هذه حيث لم يكن بوسعهم فعل أي شيء بخلاف الدفاع عن أنفسهم. ولكن بدلاً من تقوية العزم الأميركي، بدت الهجمات وكأنها تسرع الرغبة بالانسحاب، على الأقل بين أعضاء حكومتنا”.وأوضح الكاتب أن قرار الانسحاب لم يكن سهلاً على ريغان. فقد أعلن في خطاب إذاعي موجه إلى الأمّة في أوائل شباط / فبراير 1984: «إن الوضع في لبنان صعب ومحبط وخطير. لكن هذا ليس سبباً يدعونا لإدارة ظهورنا للأصدقاء والهرب. فإذا فعلنا، فإننا نرسل إشارة واضحة إلى الإرهابيين في كل مكان: يمكنكم الفوز من خلال شن حرب ضد الأبرياء»؟.وقال: بينما كان الرئيس الأميركي يدلي بتصريحاته العلنية القوية، عمل أعضاء فريق الأمن القومي التابع له، على تحريك الولايات المتحدة في اتجاه مختلف كلياً. حيث أجرى مجلس الأمن القومي (NSC) مراجعة داخلية للسياسة المتبعة في لبنان نجم عنها اتخاذ قرار الانسحاب الفوري لمعظم القوات الأميركية منه. ولكن رغبة في إظهار الدعم للبنان، دعا المجلس أيضاً إلى زيادة التدريب العسكري الأميركي للقوات المسلحة اللبنانية ودعمها، الأمر الذي من شأنه ترك حوالى خمسمئة عسكري أميركي هناك. بالنظر إلى البدائل، بدا ذلك أفضل من الانسحاب التام. ظننت أن وجود من بقي هناك يمكن أن يكون مفيداً على الأقل لإرسال رسالة مفادها أننا لن نغادرها على عجل خائبين.
هزيمة واستسلام الجميّلوأشار رامسفيلد أنه كان عليه نقل الخبر المخيب للآمال إلى الرئيس أمين الجميل. “وتلك من بين أتعس المهام التي وجب عليّ القيام بها. بعد التحدث مع ماكفرلين، سافرت إلى القصر الرئاسي في بيروت. وكان القصر قد تعرّض لأربع ضربات مباشرة ذلك الصباح فبدت النوافذ محطمة والستائر البيضاء الطويلة تتطاير مع الريح. وفي طريقي نحو مكتب الرئيس، مشيت حول بركة من الدماء لأحد حراس القصر الذي أصيب في القصف. وتذكّرت مرة أخرى الشجاعة الشخصية التي أظهرها الجميل باتخاذ قرار البقاء في بيروت. فوجئ وصدم الجميل، عندما علم أن أميركا توصّلت إلى هذا القرار. على الرغم من علمي أن لديه سبباً للشك في عمق الالتزام الأميركي اتجاه بلده، فقد بدا وكأنّه لم يتخيل أننا سنهجره تماماً، وعلى الرغم من أنّ الجميّل بدا محبطاً، فإن الزعيم اللبناني لم يكن مستعداً للاستسلام. وكشف إنه سيبقى في بيروت ويبذل قصارى جهده لمحاولة تشكيل حكومة ائتلافية ناجحة. وأوضح لي مأزقه والمشاكل الخطيرة التي يواجهها: محاولة الحفاظ على تماسك الجيش اللبناني المتنوع ودينياً؛ والمناورة لإزاحة السوريين عن كاهله؛ ومحاولة إقناع اللبنانيين بالتكاتف لإنقاذ بلدهم.أوضح الكاتب: لم أستطع أن أمنح الجميل أي جواب مطمئن؛ إذ كنت على يقين أن القرار لن يعاد النظر فيه. كانت الولايات المتحدة أحد الحلفاء المقربين للبنان. وعندما تركته لمصيره، شعر بما شعر به: أميركا لم تفِ بوعودها. كان البيان الصادر عن البيت الأبيض لإعلان الانسحاب الأميركي قد حدد سلسلة من الخطوات التي عزمت الإدارة على اتخاذها لمساعدة اللبنانيين وتعهد بدعم حكومة الجميل. في نهاية آذار/ مارس 1984، توقفت في بيروت للقاء أخير في لبنان مع الرئيس الجميل. اجتمعنا عند منتصف الليل واستمرّ اللقاء ساعة ونصف. عندما علم الجميل أن الإدارة لن تعيد النظر في قرارها بالانسحاب، شعر بالهزيمة. غلب اليأس على صوته وتلاه لحظات من الاستسلام. لقد كان فراقاً مؤلماً بعد عشرات الساعات التي أمضيناها معاً في خضم المعركة برفقة معنوياتنا عالية. أما الآن وفي ظل سيطرة السوريين (القوى الوطنية) على بلاده، شعرت أنها آخر مرة ربما أرى فيها الرئيس اللبناني الشجاع ولكن المحبط”.
يتابع رامسفيلد: “لقد واجهنا مخاطر السماح لأصدقائنا بالاعتماد على الولايات المتحدة. لم يتمكن الجيش اللبناني من ملء الفراغ الذي أحدثه انسحاب أميركا، وذلك على الأقل لأنه لم يتدرب على نمط القتال الذي سيواجهه. وتمثلت المشكلة الأخرى بصعوبة وجود قوة عسكرية وطنية في بلد يعاني انقسامات (طائفية) قوية. ولم تكن حكومة لبنان قادرة على تحقيق التماسك الضروري لبناء قيادة فعالة، كما اتضح فيما بعد أنها رهنت الكثير من آمالها على استمرار الوجود الأميركي. أكدت التجربة مع لبنان انطباعاتي عن الشرق الأوسط كمجموعة متشابكة من الأجندات الخفية، والعداوات القديمة، والتصورات المتعارضة التي تعمل فوق وتحت السطح. كما ثبت أن الأمل في أن تؤدي الدول العربية المعتدلة، مثل المملكة العربية السعودية ومصر والأردن وغيرها، دوراً بناءً في الأزمة، كان في غير محله. لقد برهنت بيروت لي حقيقة لا جدال فيها بأن الضعف مثير للاستفزاز. ساهم انسحابنا من لبنان مرّة أخرى في خلق انطباع لدى أصدقائنا وأعدائنا بأن أميركا ضعيفة وغير حازمة. كان هذا بالطبع مصدر قلق الرئيس ريغان طوال الوقت”.يقول رامسفيلد إن بوتين ترك لديه انطباعاً بأنه مهتم بخيار توثيق العلاقات مع الناتو والغرب واتهم الناتو بأنه لم يكن متقبلاً لإدراج روسيا في استراتيجية دفاعه الجماعي.
التحدي الأميركي خلال الحرب الباردةيشير رامسفيلد في كتابه إلى أن التحدي الأميركي كان عام 1957، عندما أطلق السوفيات “سبوتنيك”، أول قمر صناعي يدور حول الأرض، و”فوجئ الشعب الأميركي عندما وجد بلادنا مضطرة للحاق بالروس في مجال افترضنا أننا الأكثر تفوقاً فيه. اقترح الرئيس كينيدي زيادة حادة في الاستثمار الأميركي في برنامجنا الفضائي. لقد طرح خطة طموحه تجعل الولايات المتحدة «تلتزم بتحقيق الهدف قبل انتهاء هذا العقد، عبر إنزال رجل على سطح القمر وإعادته سالماً إلى الأرض». استحوذ هذا الوعد الجريء على خيال البلاد. في عصر القدرة على فعل أي شيء، تساءل الأميركيون لماذا لا نستطيع الذهاب إلى القمر؟”.يضيف رامسفيلد: “لقد فهمت السحر الكامن وراء سير الأميركي على سطح القمر. علمت أيضاً أن الإدارة كانت تحاول أن تخفف الانتقادات من اليسار بأن الفضاء سيصبح الحدود القادمة في الحرب الباردة، من خلال التأكيد على مهام وكالة ناسا السلمية والمدنية. لكنني نظرت إلى فكرة الهبوط على سطح القمر بشكل مختلف نوعاً ما. تساءلت هل هذا أفضل استخدام للموارد المحدودة؟ لم يكن السوفيات قلقين بشأن إظهار النوايا السلمية”.ويشير رامسفيلد إلى أنه عمل خلال هذه الفترة لأول مرة مع مستشار الأمن القومي هنري كيسنجر. يقول: “تأثرت كثيراً بقدرة كيسنجر غير المألوفة على ترتيب الأمور كما يرغب. لم يكن كيسنجر ضمن دائرة أي شخص في البيت الأبيض، وبمرور الوقت أصبح قوة مستقلة في حد ذاته. حتى أن كيسنجر كان المعلم ونيكسون الطالب، على الرغم من أن كيسنجر عُرف حينها بكونه شخصية حاسمة في السياسة الخارجية الأميركية الحديثة”.

القسم الاول...