هل في سورية فساد أو إنّ الفساد في سورية ؟ ، وما الأسباب التي تحدّ من مكافحته ؟!

الجزء الخامس


كنت في الجزء الرّابع من البحث قد تطرّقت لموضوع الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش وضرورة تغيير تبعيّتها لرئاسة مجلس الوزراء ، وتساءلت عن جواب الهيئة على ما تمّ تقديمه لها بخصوص الدّكتور هزوان وزير التّربية أثناء تكليفه بالعمل وزيراً وأيضاً بخصوص عدد من العاملين في الوزارة برقم ( 986 ) تاريخ 25/6/2018 ، وعدم بحثها في مضمون ما تمّت الإشارة إليه عن المناهج في وزارة التّربية ودورها في التّحريض على العنف منذ أيّام الدّكتور علي سعد وزير التّربية الأسبق ومنذ تكليف الدّكتور دارم طبّاع برئاسة مركز تطوير المناهج _ وهو الوزير الحالي في التّربية _ ؟!، ووقفت عند تفاصيله وأبعاده ، وسنكون في الجزء الخامس لإيضاح وتفصيل ما تضمّنته المناهج من قصائد لشعراء لهم مواقف عدائيّة مع القائد المؤسّس حافظ الأسد ، وهم أساساً نظموا قصائد في هجائه ، فما السّبب في إدراج قصائد لهم في المناهج ؟!.
ويأتي منهم الشّاعر السّودانيّ ( محمّد الفيتوريّ ) ، وتمّ إيراد قصيدة له في الصّفحة الثّامنة والسّتّين من الكتاب الذي دُرِّس بدءاً من عام 2013حتّى 2017م ، لتحمل لنا تلك الصّفحة ما قاله الكتاب عن القصيدة ، وقد أشار إلى رفع الظّلم والتّوق إلى الحرّيّة عبر الثّورة بعيداً عن العبوديّة والخنوع ، وتجلّى ذلك في البيت الحادي عشر الذي يقول الشّاعر فيه :

قُم تحرَّرْ من توابيت الأسى                             لستَ أعجوبتها أو مومياها

والقصيدة بعنوان : 
" أغنية إلى إفريقية" ، وكانت القصيدة التي ذكر فيها هجاءه القائد المؤسّس بعد أحداث تل الزّعتر عام 1976م ، وجاءت قصيدته تحت عنوان : ( ويا بطولات تلّ الزّعتر احتشدي ) في شهر أيلول ضمن مجلّة الآداب اللبنانيّة التي خصّصت ذلك العدد في عام 1976م لأحداث ذلك التّلّ ، وكانت المجلّة برئاسة سهيل إدريس الذي لجأ إلى العراق من لبنان بعد تلك الأحداث . 
والشّاعر عمر أبو ريشة من أبرز الشّعراء الذين قاموا بهجاء القائد المؤسّس إثر أحداث حماة في  الثّاني من الشّهر الثّاني من عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين ، في قصيدة عنوانها ( عودة مغترب ) . 

وحول معنى الحرّيّة فقد جعل كتاب اللغة العربيّة في الصّفّ الثّالث الثّانويّ العلميّ والأدبيّ في ثاني قصيدة من الكتاب المطبوع للعام الدّراسيّ 2017/ 2018 م في الصّفحة ( العشرين ) قصيدة ( عمر أبو ريشة ) التي كانت بعنوان ( عروس المجد ) ، وكانت تُدرَّس في المنهاج الأسبق بمعنى دمشق ضمن المحور الثّالث الذي كان بعنوان : ( الإنسان العربيّ في مواجهة الاستعمار والتّجزئة ) وأصبحت في الكتاب الأخير الذي يُدرَّسُ حاليّاً ، وهي بعنوان : ( عرس المجد ) وحوّلوا معنى العروس ليغدو بمعنى الحرّيّة ، وأكّد ذلك ما جاء في الكتاب من حديث عنها والسّؤال الثّالث من الفهم والاستيعاب الذي قال في الصّفحة الثّانية والعشرين : (  إلام دعا الحرّيّة في المقطع الأوّل ؟ ولماذا ؟ ) . وجاء فيها قول الشّاعر : 
يا عروس المجد طاب الملتقى   
بعدما طال جوى المغترب

والسّؤال الآن : ما معنى أن يطيب الملتقى ؟ أي مكان اللقاء ، بما أنّ الملتقى اسم مكان ، أي تشير لدمشق ، والجوى : شدّة الشّوق ، أي الشّوق للمكان الذي تمّت مغادرته ، وبالتّالي لدمشق كما كان المعنى في المنهاج القديم ، ولا أعتقد أنّ إنساناً يهجر الحرّيّة ويغادرها ، وكذلك لمعنى ( مغترب ) ، فهي تعني من تغرّب عن أرضه أو وطنه أو بلده ، ولا أحد يتغرّب عن الحرّيّة ، إذن الشّاعر طاب لقاؤه إلى وطنه بعدما طال شوقه إليه ، وبكلّ حال لا يمكن إغفال قصيدة الهجاء للقائد المؤسّس حافظ الأسد ، ويبقى السّؤال : لماذا تضمّن المنهاج قصيدة له ، واختلفت معاني تلك القصيدة عبر منهاجين في وزارة واحدة ، كلّ منها تعاطى بمعنى يغاير الآخر وربّما يناقضه ؟!.                                             
ولم يكن الشّاعران السّابقان فقط هما اللذان قاما بهجاء القائد المؤسّس وأُدرِجَت لهما قصائد في المنهاج ، فكان هناك شعراء آخرون ضمّنت الوزارة قصائد لهم في مناهجها ، ومنهم الشّاعر العراقيّ من أصول سوريّة من مدينة البوكمال : ( شفيق الكماليّ ) ، فقد تضمّن كتاب الصّف التّاسع في المناهج الحاليّة قصيدة له في الصّفحة الثّمانين من الكتاب ، وجاءت قصيدة الهجاء للقائد المؤسّس في ذات العدد الذي تضمّنته قصيدة الفيتوريّ عن أحداث تلّ الزّعتر عام 1976 م ، ووضع عنواناً لها : ( أيا عجباً للشّام ) . 
كما أُدرِجت في كتاب اللغة العربيّة المطبوع للعام الدّراسيّ 2017/ 2018 م للصّفّ الثّالث الثّانويّ بفرعيه العلميّ والأدبيّ قصيدة تحت عنوان ( الوطن ) للشّاعر ( عدنان مردم بك ) ، والتي أثارت نعرات طائفيّة خصوصاً البيتين التّاسع والعاشر من القصيدة ، عندما ركّزت على فئة دينيّة واحدة وجّهت لها ، ومجّدتها ، وعبّرت من خلالها عن الوطن في إشارة ملغومة ضمن سياق ما قامت به الوزارة عموماً ، فأقحمته في المناهج ، والتي ابتعدت فيها عن الوحدة الوطنيّة ممّا يثير حالة انفعاليّة في نفوس أبناء الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، بدل أن تسعى لخلق حالة من الوحدة والتآلف بين أبنائها ، بما أنّ وزارة التّربية تعكس أهداف الدّولة وتطلّعاتها ، وكانت تلك إحدى توصيات مؤتمر التّطوير التّربويّ الماضي المنعقد في دمشق بين 26/9 إلى 28/9 من العام الحالي _ الذي تشرّفت بحضوره _ وهي ما أشرت له في دراستي الآنفة الذّكر المقدّمة لرئاسة مجلس الوزراء والمحالة لوزارة التّربية ، وضمّنتها في المجال الثّاني الذي عنونته ( المناهج وطرائق التّدريس ) في مجالات التّطوير والحلول المقترحة ( جوانب التّطوير الإداريّ والعمليّ والاستراتيجيّ ) لوزارة التّربية ، ضمن الفقرة التّاسعة ، وقلت فيها : 
" تعزيز مفهوم الوَحدة الوطنيّة والمواطنة بأبعادها المختلفة ، والتّآخي والتّسامح والإيثار والتّفاؤل وقانون العدالة والتّشبّث بالأرض ، وتحقيق المحبّة للوطن والنّظرة الإيجابيّة لمفهوم الوطن والتّعلّق به والمقارنة للإنسان السّوريّ داخله وخارجه في طريقة التّعاطي بين أبنائه عبر تحقيق مفهوم المواطن الصّالح الإيجابيّ الذي يخدم وطنه ويعبّر عن حبّه له عبر وسائلَ عديدةٍ ليكون أكثر فاعليّة في مجتمعه .... " .
وكنت قد طالبتُ ضمن الحلقة التّلفزيونيّة التي كنت فيها ضيفاً على شاشة الفضائيّة السّوريّة في برنامج " حديث النّاس " بعنوان : ( تقويم المناهج التّربويّة ) بتاريخ 6/2/2017 م في الفقرة السّادسة :  
" و_ المطالبة بتغيير الكادر الإداريّ والإشرافيّ على المناهج الحاليّة التي تدرّس في بعضها للآن حتّى لا نحافظ على الأغلاط التي تمّت الإشارة إليها وتُصاغُ  بأسلوب جديد ، وتُعطى شكلاً جديداً ويبقى المضمون واحداً " ، وما نبّهت له في اللقاء من مطالبة تمّت الإشارة إليها وقعت ، وهذا ما كان مثاله في قصيدة الوطن على سبيل التّمثيل . 

كما سبق لي أن ذكرتُ ما تقدّم وأشرتُ له في أكثر من لقاء تلفزيونيّ وفي مقال منشور في الوكالة العربيّة للأخبار بتاريخ 22/12/2019م ، تحت عنوان : " مَن تجرّأ على الإساءة للقائد المؤسّس ؟ ومن الجهة التي كرّمته بعد فعلته الشّنعاء ؟!" وغيره أيضاً ، وليست وزارة التّربية الوحيدة التي أسهمت في تخريب الفكر التّربويّ والثّقافي في سورية ، فقد جعلت وزارة الثّقافة من شعراء المقاومة إرهابيين ، فكان شعر المقاومة برأيها إرهاباً ، وهذا ما سيكون مجال بحثنا اللاحق في الجزء السّادس .
 
الباحث والمحلّل السّيّاسيّ :
وعضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية 
وعضو الجمعيّة السّوريّة للعلوم النّفسيّة والتّربويّة .