قراءة في الثورة الحسينية (١)

المركب الحضاري في مجتمع الرسول


القران هو اساس بناء المركب الحضاري ومنظومة القيم الحافة به
تألف المركب الحضاري لذلك المجتمع من العناصر التالية:
اولا، الارض وهي المدينة ومكة وما حولهما من قرى وبوادي.
ثانيا، الانسان، وهم المسلمون، الذين وصفهم القران انهم "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"، ويوحي الفعل "اخرجت" بانهم امة لم تكن موجودة من قبل. و"قبل" تعني قبل نزول القران، الذي جاء بمنظومة قيم عليا جديدة، جعلها شرطا في خيرية الامة الجديدة، حيث تضيف الاية نفسه: "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ". 
ثالثا، الزمن، وهو الفترات الزمنية التي سوف اذكرها بعد قليل. 
رابعا، العلم الذي دعا اليه القران وحث على السعي من اجل تحصيله والاستزادة منه كما في قوله:"وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا".
خامسا، العمل الذي جعله القران قرين العلم وشرط النجاح في الدنيا والاخرة: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"، او قوله:"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، واعلن المساوة بين الرجل والمرأة في ميزان العمل في قوله:"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ".
ركز القران الكريم منذ اول اية نزلت الى اخر اية على بناء منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة المذكورة لانها ستكون الاساس المتين في ارساء المجتمع الصالح النظيف القادر على انتاج الدولة العادلة. ونستطيع ان نتتبع بوضوح الايات القرانية التي تشكل نسقا متماسكا لبناء منظومة القيم العليا. 
ومن هذه الايات: 
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ."  "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا." "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا." "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ".  "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ". 
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا". 
"وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ". "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ".
وهناك الكثير الكثير من الايات القرانية التي تشكل بمجموعها منظومة القيم العليا للمركب الحضاري الذي جاء به القران الكريم. وهي تشكل بمجموعها طفرة كبرى قياسا الى القيم التي كانت سائدة انذاك في المجتمع العربي المشرك، البدوي، القبلي.
كانت الصورة التي يفترض ان يكون عليها المجتمع الاسلامي الجديد مؤلفة من ناس وارض وعلاقات بين الناس والناس وبين الناس والارض قائمة على اساس الاستخلاف. استخلاف الانسان في الارض لاعمارها واقامة المجتمع العادل فيها.
ومن شأن منظومة القيم العليا هذه ان تقيم مجتمعا على دعامتين هما: شهادة الانبياء وخلافة الانسان. تتولى شهادة الانبياء، التي تتمثل بالرسول محمد وبمن يمتلك مؤهلاتها، بمتابعة البناء الداخلي التحتاني للمجتمع على اساس منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري، لفترة قد تطول من الزمن، ولعدة اجيال؛ فيما تتمثل خلافة الانسان بسلطة الامة التي تدير شؤونها عن طريق الشورى. وقد اجاد الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في توصيف هذه الامة في حالتها النموذجية حيث يعطي النص القراني "للامة صلاحية ممارسة امورها عن طريق الشورى" ويجعل "كل مؤمن ولي الاخرين(…) بمعنى تولي اموره"، منتهيا الى التاكيد على ان النص القراني "ظاهر في سراية الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الاخذ بمبدأ الشورى وبرأي الاكثرية عند الاختلاف". 

وكان على الرسول ان يباشر عملية التغيير واخراج الامة الجديدة على اساس هذه القيم انطلاقا من قوله تعالى:"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". على اساس ان تشكل منظومة القيم العليا الجديدة المحتوى الداخلي للمجتمع الجديد "ما بانفسهم"، الذي سوف تقام عليه البنى العلوية للمجتمع.
لكن الفترة الزمنية التي استغرقها الرسول في بناء المركب الحضاري قصيرة جدا ولم يكن من الممكن ان تشمل التربية اعدادا كبيرة من الناس. ويمكن ملاحظة ذلك من الفترات الزمنية التي شكلت حقبة الرسول (ص). ففي في مكة استغرق الرسول (١٣) سنة انتجت نواة الامة الجديدة المؤلفة من حوالي ١٢٠ شخصا، والذين هاجر معظمهم الى يثرب/ المدينة، وصار اسمهم "المهاجرون". وفي المدينة، حيت ظهرت الفئة الثانية من الامة الجديدة وهم "الانصار"، استطاع الرسول ان يكسب عدة مئات من من الهجرة الى صلح الحديبية فصار العدد حوالي الف وخمسمئة. وبعدها حصل التسارع في العدد حتى سار مع الرسول في فتح مكة حوالي ١٠ الاف شخص، الامر الذي جعل ابا سفيان الذي اسلم لتوه ان يقول للعباس عم النبي:"لقد اصبح ملك ابن اخيك عظيما"، فرد عليه:"ويحك انها النبوة". وهو امر بالغ الدلالة على ما نحن فيه. ثم اسلم بقية العرب من فتح مكة الى وفاة الرسول (٣ سنوات). وليس بين حجة الوداع و وفاة الرسول سوى حوالي ٧٠ يوما.
لذلك لم يكن من المتوقع ان تتبدل طبيعة المجتمع العربي (المنقسم الى اعراب وسكان مدن صغيرة) انذاك تبدلا جوهريا. 
ولذا كان تخوف القران من احتمال الردة والانقلاب بعد وفاة الرسول: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ". وهذا امر ممكن حيث اثبت عالم الاجتماع الفرنسي الين تورين ان المجتمع يرتد الى ذاته حتى لو حصلت تغييرات فوقيه فيه. ولم يكن اسلام العرب سوى تغيير فوق لم يتغلغل عميقا في نفوسهم، ولذلك قال لهم القران: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ".
يتبع