"الدولة" كشعار انتخابي


يشيع هذه الايام بكثرة استخدام مفردة "الدولة" ضمن تركيبات لغوية متعددة في الخطاب الانتخابي. 

وبغض النظر عن النوايا، فان شيوع استخدام مفردة "الدولة" يكشف عن عمق الشعور والاحساس بالحاجة الى الدولة. فقد اصبحت الدولة ضرورة اجتماعية انسانية، كضرورة الاجتماع الانساني. ومنذ حوالي ٧ الاف سنة اصبح من الصعب تصور جماعة بشرية لا تعيش ضمن وفي ظل دولة. 

والاحساس العميق بضرورة الدولة ليس جديدا في الشعور واللاشعور العراقي. فمنذ ولادة "الدولة العراقية" في عام ١٩٢١ والبحث عن الدولة جار على قدم وساق. وهو بحث ينطوي على قلق وانقطاعات وقفزات هنا وهناك وصلت ذروتها بعد سقوط النظام الدكتاتوري البعثي في عام ٢٠٠٣. 

الاستخدام الحالي لمفردة "الدولة"، استعادتها وبنائها، يتسم بعد صفات.

اولى هذه الصفات انه جاء في وقت متأخر بالنسبة للذين يستخدمونه من امراء السياسة واصحاب الاقطاعيات السياسية. فقد انشغل هؤلاء، منذ عام ٢٠٠٣ والى اليوم، بالسلطة، ولم يعيروا الدولة الاهتمام الذي تستحقه. وقد كنت، انا والصديق حسين درويش العادلي واخرون، من اوائل الذين انتبهوا الى هذه المفارقة والتحذير منها. وقد اعتبرتها من ابرز "عيوب التأسيس" التي رافقت العملية السياسية منذ انطلاقتها. ولكن لم ينتبه الذين مسكوا بازمة القرار لهذا التحذير، بل تجاهلوه عن عمد، وقصور، وتقصير. والانكى من ذلك، ان الجماعة لا يجسدون مفهوم الدولة في تصرفاتهم وسلوكياتهم السياسية، وليس من السهل تصورهم "بناة دولة"، وفاقد الشيء لا يعطيه! لقد كان القوم خلال السنوات ال١٨ الماضية رجال سلطة، وليس في الافق ما يشير الى انهم كفوا عن ان يكونوا كذلك. حتى الشعارات التي كانوا يطلقونها في المواسم الانتخابية السابقة حول هوية الحكومة هي شعارات سلطوية بامتياز. فجل تفكيرهم كان ومازال منصبا حول الحكومة: كيف تكون؟ حتى لم يكونوا يفكرون في كيفية بناء دولة تنسجم مع شعاراتهم المعلنة حول الحكومة. حتى حين ارتفعت الاصوات المطالبة بحكومة الاغلبية السياسية فاتهم ان مثل هذه الحكومة تتطلب ان تقوم الدولة على اساس المواطنة وليس على اساس المكونات، وان تطبق الدولة نظام الديمقراطية وليس التوافقية. 

الصفة الثانية، ان "الدولة" المستخدمة في الخطاب الانتخابي غامضة مبهمة ملتبسة، حيث  ان القوم لا يملكون ولا يطرحون اي تصور واضح للدولة، لا في خطاباتهم الانتخابية ولا في سلوكياتهم السابقة. رغم تعدد النماذج الفرعية للدول في العالم اليوم، فانها لا تخرج عن نموذجين رئيسيين هما: الدولة الحضارية الحديثة بدرجاتها المختلفة، والدولة المتخلفة الفاشلة بدرجاتها المختلفة. والقوم يلتزمون الصمت ازاء هذا الموضوع، وهم اقرب الى النموذج الثاني منهم الى النموذج الاول.

وهاتان الصفتان لا تشجعان على وضع الامل في مستخدمي خطاب "الدولة" في الحملة الانتخابية الحالية؛ فهم اقرب الى مقولة الامام علي في وصف الخوارج حينما قالوا: لا حكم الا الله، فرد عليهم: "كلمة حق يراد باطل. نعم إنه لا حكم إلا لله. ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله: وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن. ويستمتع فيها الكافر. ويبلغ الله فيها الأجل. ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو. وتأمن به السبل. ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر و يستراح من فاجر." ولعمري، هذه بعض من وظائف الدولة كما بدت للإمام علي في زمنه، وهي وظائف اضاعها اصحاب خطاب "الدولة" الحاليون!

ما اهدف اليه في كتاباتي هو وضع المفردات والمصطلحات السياسية في نصابها الصحيح،. منع عمليات الالتفاف عليها، وافراغها من محتواها الحقيقي. وهذا ما يحصل لكلمة "الدولة" الان!