الفراغ الحزبي


يشكو العراق اليوم من فراغ حزبي كبير سيكون ذا تاثير سلبي كبير على تطور الحياة السياسية باتجاه الديمقراطية. 
اقصد بالفراغ الحزبي عدم وجود (٢-٥) احزاب وطنية كبيرة او متوسطة الحجم مؤثرة في الحياة السياسية. 
الحزب الكبير هو الذي يملك اغلبية مطلقة في البرلمان (١٦٥ نائبا) والحزب المتوسط يملك اقل من هذا العدد الى حد ١٠٠ نائب. 
والحزب الوطني هو الحزب العابر للمناطق والاديان والطوائف والقوميات، سواء في عضويته او ناخبيه او برنامجه السياسي او انتشاره الجغرافي. 
وقد نشرتُ دراسة موسعة حول هذا الموضوع في صحيفة "الزمان" قبل فترة. 
مرت الحياة الحزبية في العراق بعدة مراحل: 
المرحلة الاولى: من تأسيس الدولة العراقية الى عام  ١٩٥٨. وشهدت هذه المرحلة بديات نشوء احزاب حديثة، علمانية، وطنية. 
المرحلة الثانية: من عام ١٩٥٨ الى عام ٢٠٠٣ وهي المرحلة التي شهدت صراع الاحزاب العلمانية فيما بينها (البعث والشيوعي والقومي)، وهو الصراع الذي توج بانفراد حزب البعث بالسلطة ثم جنوحه نحو عبادة الشخصية. وفي منتصف هذه المرحلة ظهر حزب الدعوة الاسلامية ايضا الذي انخرط لفوره في صراع مميت مع حزب البعث.
المرحلة الثالثة: منذ عام ٢٠٠٣ الى الان والتي شهدت انزلاق الاحزاب التقليدية الاسلامية والعلمانية، العربية والكردية، الشيعية والسنية، نحو نظام المحاصصة الذي شكل النقيض التام لمفهوم الدولة الحضارية الحديثة. ادت التجربة الى انكشاف عجز هذه الاحزاب عن اقامة دولة حضارية حديثة باقل القياسات، وفشلها في تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين، وبالتالي تآكل شرعيتها بالمستويين شرعية التمثيل وشرعية الانجاز. 
وفيما تقترب البلاد من موعد الانتخابات المبكرة التي اريد لها ان تكون مخرجا من الطريق المسدود الذي وصلت اليه البلاد، اكتشفت هذه الاحزاب ان الانتخابات سوف تكون امتحانا عسيرا لها، ووجدت نفسها في حيرة من امرها. فلا هي تضمن فوزا مشرفا في الانتخابات، او الانسحاب منها قبل الفضيحة. ماتت الاحزاب سياسيا!
في المقابل، عجزت التظاهرات الاحتجاجية عن ولادة حزب وطني كبير يستطيع ان يملأ الفراغ، ويستوعب الساحة السياسية، ويضمن الفوز باغلبية مقاعد البرلمان. 
وبهذا وصلت البلاد الى نهاية الطريق التي عنوانها الفراغ الحزبي. بكلمة مختصرة: لا يوجد لدينا حزبان او ثلاثة او حتى اربعة قادرة على ممارسة اللعبة الديمقراطية بنجاح، وقادرة على انتاج حكومة قادرة على ادارة البلاد بطريقة تحقق تطلعات المواطنين. 
هذه هي احدى مشكلات الحالة الراهنة في العراق. ولابد من حل لها. الاخ نوفل الحسن طرح فكرة اصلاح النظام الحزبي. وهي فكرة صحيحة وضرورية. ويجب تحديد بوصلة او اتجاه الحل. وسبق لي ان اكدت ان حل هذه المشكلة، كما هو الحال في حل غيرها، يجب ان يتم في اطار فكرة اوسع اطلقت عليها عنوان "الدولة الحضارية الحديثة" التي تندرج تحتها عناوين فرعية اخرى مثل اصلاح النظام الحزبي، واصلاح النظام السياسي، واصلاح النظام الاقتصادي، واصلاح النظام التربوي، واصلاح النظام الاداري، واصلاح النظام القضائي، وغير ذلك، على ان يتم ذلك ضمن الرؤية الشاملة والمترابطة لفكرة الدولة الحضارية الحديثة. ولابد ان اشير هنا ان اصلاح النظام الحزبي لابد ان يطال "العدد"، حيث يجب الاقتصار على عدد قليل جدا من الاحزاب يضمن انتاج حزب كبير وحزبين او ثلاثة متوسطين. كما لابد ان يشمل الاصلاح "الهوية الحزبية" حيث يجب ان تكون هوية الحزب وطنية عابرة كما اوضحت قبل لحظات. واخيرا لابد ان يشمل الاصلاح الحزبي "المحتوى" الذي يجب ان يكون هو نفس فكرة الدولة الحضارية الحديثة.
الخلاصة، العراق بحاجة الى حزب وطني  حضاري حديث… كبير قادر على الفوز باغلبية مقاعد البرلمان!