الانتخابات وحدها لا تكفي: الديمقراطية الرقابية بديلا


تمثل الانتخابات العمود الفقري في النظام الديمقراطي، على الاقل اذا اخذنا بتعريف جوزيف شومبيتر لها، القائل بانها ذلك الترتيب المؤسساتي الذي يتمكن من خلاله المحكومون من اختيار حكامهم. وقد بالغ بعض الباحثين في فهم الانتخابات الى درجة القول بان الديمقراطية لا تعني شيئا غير الانتخابات.
ولكن لو نظرنا الى الانتخابات من زاوية فهم اعمق او على الاقل مختلف للديمقراطية لوجدنا انها تقصر في تحقيق اهداف الديمقراطية. فالديمقراطية تعني، كما يرى هوبزباوم، "الدور المتعاظم لعامة الناس في شؤون الدولة"، وليس من المعقول قصر هذا الدور على الذهاب مرة واحدة كل اربع سنوات الى صناديق الاقتراع، لاختيار ممثلي الامة في مجلس النواب، ثم ترك هؤلاء، ومعهم الحكومة، يتصرفون لوحدهم بشؤون الامة.
بل ان التجارب التاريخية برهنت على الانتخابات لوحدها ورغم اهميتها، تقصر في تحقيق الدور المتعاظم لعامة الناس في شؤون الدولة"، بل انها قد تؤدي الى نتائج عكسية. فقد جاء هتلر الى الحكم عن طريق الانتخابات في عام 1933، وفرض اعتى نظام دكتاتوري عرفته البشرية حتى حينه.
كما ان الانتخابات الدورية تقصر في تأمين رقابة الناس على الفاعلين السياسيين والمؤسسات المنتخبة للتأكد من سلامة ممارستهم للسياسة والحكم والادارة. وتبين تجربة فضيحة ووترغيت في الولايات المتحدة عام 1974 وفضيحة مصروفات النواب في بريطانيا عام 2009 كيف يمكن ان تنحرف "الديمقراطية" عن المسار السليم اذا اقتصر تعريفها على الانتخابات الدورية. لقد برهنت هذه التجارب التاريخية المهمة على ان مؤسسات الديمقراطية التمثيلية الثلاث، وهي الانتخابات الدورية، والبرلمان المنتخب والحكومة المنتخبة، لا تكفي لتأمين الدور المتعاظم لعامة الناس في الحكم والمراقبة.
وقد بدأ المفكرون والكتاب يدركون ذلك منذ عام 1945، ان هذه المؤسسات لم تعد تكفي لضمان صلاحية الحكم، ومنعه من الفساد والطغيان، ولضمان اوسع مشاركة للناس في الحكم، ولضمان قدرتهم على مراقبة الحكومة والحد من سلطانها.
وبدأت البشرية منذ ذلك الحين بابتداع وسائل جديدة لتأمين تعبير اكثر عن رأي الناس، ومراقبة ادق لتصرفات الحكومة والمسؤولين الرسميين، وتقييد اكبر لسلطاتهم، لمنعهم من الاستبداد والاستغلال وسوء استخدام السلطة. وحاول الكثير من المفكرين اصلاح الديمقراطية وقدموا مساهمات كثيرة في هذا المجال، لعل من اهمها مساهمات كل من ارندت لييهارت، وكارل بوبر والين تورين وجون كين، وغيرهم.
الديمقراطية التوافقية
 طرح ارندت ليبهارت مفهوم الديمقراطية التوافقية في اواخر الستينيات من القرن الفائت، واستخدم المصطلح في عام 1975. ويقول روبرت دال في كتابه "الديمقراطية ونقادها" ان ليبهارت استعاره من كتاب جونز الثيوسوس (1557-1638)Politicia Methdice Digesta الصادر في العام 1603، رغم ان ليبهارت يشير، من جهته، الى أن اول من استخدم المصطلح في العصر الراهن هو ديفيد ابتر في العام 1961.
في العام 1977 قدم ليبهارت الديمقراطية التوافقيةconsociational democracy في كتابه "الديمقراطية في المجتمعات التعددية" بوصفها حلاً لمشكلة تعذر تطبيق الديمقراطية التعددية، او نموذج ويستمنستر - حكم الاغلبية، بسبب الانقسامات الاثنية والدينية واللغوية في المجتمع التعددي او المنقسم.
وعرف الديمقراطية التوافقية بعناصرها الاربعة وهي: الائتلاف الواسع، الفيتو المتبادل،التمثيل النسبي، واخيرا الحكم واستقلالية القطاعات في ادارة شؤونها الداخلية. لكنه طور اطروحته في العام 1999 في كتابه "نماذج الديمقراطية" ليؤكد ان ديمقراطية الاجماعconsensus democracy هي طريقة الحكم المثالية لكل المجتمعات وليس فقط المجتمعات التعددية. والاجماع consensus الذي اشتق منه ليبهارت نموذجه الجديد يفترض وجود اتفاق عام بين الاطراف السياسية، يتميز بخصائص عدة منها:
(1) عدم وجود معارضة في المسائل الاساسية من قبل طرف مهم ذي علاقة بالمصالح ذات الاهتمام، (2) الأخذ في الاعتبار وجهات نظر كل الاطراف، و(3) تسوية كل الخلافات المثيرة للنزاع بطريقة الترضية والمصالحة، أي ليس بطريقة التصويت.
وميز نموذجه عن نموذج ويستمنستر بعشرة نقاط شرحها في كتابه المذكور. التغيير السلمي للسلطة يرى كارل بوبر (1902-1994) ان "المشكلة لم تعد مشكلة الحكم، ولا معرفة من يحكم، لكنهامشكلة الحكومة وكيف تحكم"، فالاساسي عند بوبر "هو ان لا تكون للحكومة سلطة مفرطة" وبعبارة اخرى "هي مشكلة كيف يتم ادارة الدولة.
"تمثلت المساهمة الاساسية لبوبر في الدعوة الى مغادرة التعريف الكلاسيكي للديمقراطية القائل بانها حكم الشعب. فقد قال:"لم تكن الديمقراطية ابدا حكم الشعب، لا يمكنها ولا يجب ان تكون كذلك." انما الديمقراطية عنده اصبحت تعني "القدرة على التخلص من الحكومة دون اراقة دماء." وكرر ان النقطة الاساسية هي ان نكون قادرين على خلع الحكومة من دون اراقة دماء"، مضيفا "اهم شيء هو قدرتنا على اقالة الحكومة دون اراقة دماء، قبل ان تتولى حكومة اخرى زمام الحكم".
يقول بوبر في محاضرة القاها في 25 اغسطس/اب عام 1958 ونشرت لأول مرة في عام 1967، :"تكون الدولة حرة من الناحية السياسية اذا كانت مؤسساتها السياسية تمكن مواطنيها من الناحية العملية من تغيير حكومة قائمة دون سفك دماء، متى ما كانت الأغلبية راغبة بذلك". ويقول ايضا في محاضرة القاها عام 1987 ان المبدأ الاخلاقي للديمقراطية هو "شكل الدولة الذي يسمح باقالة حكومة من دون اراقة دماء.
"حماية الأقلية"
 اثار الين تورين، في كتابه "ما الديمقراطية؟" الذي كتبه عام 1993 و صدرت ترجمته العربية عام 2000 "ازمة التمثيل السياسي" التي اعتبرها نقطة الضعف في الانظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية على حد سواء، وهي ازمة تؤدي الى "عدم احساس الناخبين بانهم ممثلون"وقال ان الديمقراطية لا تعني حكم الاغلبية، وانما تعني حماية الاقلية.
وقال ان الديمقراطيين الاوروبيين يعرفون انفسهم من وقوفهم خصوما للتطهير العرقي. حكم الاغلبية تحصيل حاصل، لأنه الاغلبية يمكنها بسهولة ان تتولى الحكم بسبب تفوقها العددي، لكن التزام الاغلبية الاخلاقي يتمثل في حماية الاقليات في بلدها، وخاصة الاقليات العرقية او الدينية.
وبين ان الديمقراطية لا يقتصر تعريفها بوصفها مجموعة من الضمانات القانونية فقط او انها سيادة الاغلبية، بل هي قبل كل شيء احترام التطلعات الفردية والجماعية. وعرف الديمقراطية بانها النظام الذي تعترف فيه الاكثرية بحقوق الاقلية.
الديمقراطية الرقابية 
لكن ابرز محاولة لتجاوز الديمقراطية التمثيلية ومعالجة مساوئها تمثلت في طرح مفهوم الديمقراطية الرقابية او التحذيرية Monitory Democracy وهي ديمقراطية تتضمن اليات عدة (يصل بها بعض الباحثين الى اكثر من 100 الية) لفحص ومراقبة الحكومة.
استخدم هذا المصطلح عالم الاجتماع السياسي الاميركي مايكل شودسون Michael Schudson في حوار له في شهر مايس من عام 1998. واستخدم المصطلح ونظر له الباحث الاميركي جون كين John Keane في كتابه حياة وموت الديمقراطية الصادر عام 2009.
الديمقراطية الرقابية ملتزمة بتعزيز تاثير المواطن المتنوع على القرارات التي تؤثر في حياته، بغض النظر عن نتائج الانتخابات. كما تركز على مفردات فحص السلطة ومراقبتها والحد منها اكثر من تركيزها على الانتخابات.
في عصر الديمقراطية الرقابية حصل المزج بين الديمقراطية وحقوق الانسان، وبرزت اهمية الاعلام، واهمية الانترنيت، والمعلوماتية، وتنشيط دور المجتمع المدني. تؤدي الديمقراطية الرقابية الى توسيع مشاركة هيئات شعبية غير منتخبة في الحياة العامة وفي التعبير عن المواطنين.
تتلخص الديمقراطية الرقابية بوجود هيئات واليات واساليب غير منتخبة، كالصحافة ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، قادرة على مراقبة الحكومة وفحصها وتقييدها وكشفها، اضافة الى وجود المؤسسات التقليدية الثلاث التي تؤلف الديمقراطية التمثيلية (الاقتراع الدوري، البرلمان المنتخب، الحكومة المنتخبة).