ما المعايير التي يتمّ بموجبها تشكيل الحكومة في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ؟!.


لا يختلف اثنان في سورية أنّ تشكيل أيّة حكومة فيها يأخذ في الحسبان أن يكون الوزراء ممثّلين أحزاب الجبهة الوطنيّة التّقدميّة ، ولعلّ أوّل ما كان يُتوَقَّع أن يقومَ به السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد بعد أداء القسم الاستمرارَ في التّشبّث بالثّوابت الوطنيّة والعمل على الإصلاح السّياسيّ ، وبناء على ذلك يأمل الشّعب عموماً أن تشهد سوريةُ تغييراتٍ قادمةً ، كالتّغيير في سياسة العمل وليس التّغيير في الأشخاص القائمين على العمل ، ولعلّ من ذلك ما يمكن أن يتمّ عبر تشكيل حكومة وحدة وطنيّة موسّعة شاملة ، بحيث يتمّ العمل وفق ما نصّت عليه الفقرة الأولى من الدّستور في مادته الثّامنة التي دعت إلى التّعدّدية السّياسيّة والفقرة الخامسة من المادة السّابقة التي أشارت إلى الآتي : 
" لا يجوز تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة سياسيّة أو حزبيّة أو انتخابيّة " ، وكذلك الفقرة الثّانية من المادة السّادسة والعشرين التي نصّت على ما يلي : 
" المواطنون متساوون في تولّي وظائف الخدمة العامة ، ويحدّد القانون شروط تولّيها وحقوق وواجبات المكلّفين بها " وكذلك الفقرة الرّابعة من المادة الثّالثة والثّلاثين .
وليتمّ تطبيق المادة السّابعة وغيرها من القانون الأساسيّ للعاملين في الدّولة لعام 2004م والقوانين السّوريّة وقرارات حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ التي تشير إلى الكفاءة والشّهادة العلميّة والنّزاهة في التّكليف ، ولا تشير إلى أيّ انتماء حزبيّ محصور لجهة حزبيّة معيّنة للحزب الحاكم أو سواه في حال تمّ ذلك التّكليف في العمل السّياسيّ في أيّة وزارة كانت ، وبالتّالي فإنّ تخصيص الوزارات بحزب معيّن يتعارض مع مفهوم المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة كما يتناقض ومفهوم المواطنة والانتماء للوطن ، وتفعيل دور المواطنة بأبعادها القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة الحضاريّة ، لأنّ المواطنة لا تعني المحاصصة والتّقسيم بأيّة صورة تقسيميّة وفق أيّ مسمّى يستعمله إنسان في أيّ موقع كان وفق ما نصّت عليه الفقرة الثّانية من المادة الثّالثة والثّلاثين في الدّستور ، ولماذا كان ذلك الحقّ مكتَسباً لحزب دون سواه ، وكلّ الأحزاب متوازية في حقوقها وممارسة نشاطها ضمن احترام مبادئ السّيادة الوطنيّة والدّيمقراطيّة التي نصّ الدّستور عليها في الفقرة الثّانية من المادة الثّامنة ؟!، وسؤالنا أيضاً : هل هذا من صلب المواطنة والانتماء أو المواطنة والتّعدّدية السّياسيّة واستراتيجيّاتها أو يتماشى مع سياسة الإقصاء وإلغاء الآخر ؟، ولنتذكّر ما قاله السّيّد الرّئيس : 
" قانون الأحزاب يغني التّعدّدية الحزبيّة ، ويفسح المجال أمام مشاركة أوسع للتّيارات المختلفة في الحياة السّياسيّة " ، والوطن من وجهة نظر السّيّد الرّئيس لا يحمل فكراً تقسيميّاً تخريبيّاً هدّاماً بل يحمل رؤى واحدة هدفها بناء وحدة سورية أرضاً وشعباً ، وليس تمزيقها وتقطيعها تَبَعاً لنوازع طائفيّة أو سياسيّة أو عرقيّة ، لتضع تلك الحكومة الموسّعة خططاً استراتيجيّةً تؤدّي لبناء المجتمع والوطن ، وتماسكه ووحدته بعيداً عن حالات التّنافر التي أضحت سمة مميّزة له في ظلّ ما تعرّضت له سورية ، وإعادة هيكلة الدّولة من جديد وفق أسس جديدة تضمن حياة كريمة لمختلف أبناء سورية ، وليس بقاء سورية ضمن لون واحد فتزهو سورية بتعدد ألوانها لتبقى لوحة جميلة فسيفسائيّة تحت راية سيادة الرّئيس الدّكتور بشّار حافظ الأسد ، وهذا ما أشرت له في الجزء الأول من بحث سابق منشور في ( معهد طهران للدّراسات والأبحاث الدّوليّة ) بتاريخ 3/7/2021م بعنوان : " ماذا يأمل الشّعب العربيّ السّوريّ من السّيّد الرّئيس بعد أداء القسم ؟!" ، وانطلاقاً من ذلك نتساءل : 
ما المعايير التي يتمّ بموجبها تشكيل الحكومة في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ؟!، وهل يشكّل استمرار السّيّد حسين عرنوس في رئاسة الحكومة استقراراً سياسيّاً _ ومن الطّبيعي أن نكون مع أيّ مرسوم يصدره السّيّد الرّئيس ومن ذلك المرسوم رقم ( 206 ) لعام 2021 م _ والشّعب يتساءل : ماذا حقّقت حكومته السّابقة من خدمات ؟ ، وماذا أمّنت من متطلّبات شعبيّة ؟!.

وقبل البحث في المعايير دعونا نتساءل أيضاً : لماذا تعمل الانتخابات التّشريعيّة في سورية للاحتفاظ الدّائم لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ بالأغلبيّة المطلقة من المقاعد أي بنسبة مئة وستةٍ وعشرين مقعداً يخصّ حزب البعث رغم أن الجبهة الوطنيّة التّقدميّة لها أكثر من ثلثي المقاعد وعددها عموماً مئتان وخمسون في قائمتين من العمال والفلّاحين ، وإبقاء الثّلث الباقي من المقاعد للمستقلّين _ وهذا لم يحدّده قانون الانتخابات المعمول به وفق ذلك التّقسيم _ ، وتبقى هناك أسئلة مشروعة أبرزها :                                                                                           
ما المادة الدّستوريّة التي استند لها حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ في ذلك إذا كانت المادة الثّامنة في الدّستور المعمول به من عام 2012 قد حدّدت التّعدّدية السّياسيّة ؟ وما المواد القانونيّة التي تمّ العمل بموجبها لتحقيق تلك الأغلبية ؟!، وهل تتحقّق أهداف المواطنة وأبعادها القانونيّة والثّقافيّة والحضاريّة بموجب ذلك ؟!، ولماذا جرت الانتخابات التّشريعيّة لمجلس الشّعب إذا كانت الأغلبيّة محقَّقة دونها ؟!. 

ومن الأهمّيّة بمكان أن نشير إلى أنّ الشّعب العربيّ السّوريّ يتطلّع لقانون انتخابات جديد عبر اللجنة الدّستوريّة ولا ينافي الدّستور في مادته الثّامنة الحاليّة ، ليكون معبّراً خير تعبير عن عملية ديمقراطيّة انتخابيّة بعيداً عن إقرار تعيينات انتخابيّة تمثّل رؤى واحدة محدّدة ، وأن تكون العمليّة الانتخابيّة القادمة مُراقَبةً .. لتكون انتخاباتٍ ديمقراطيّةً حقيقيّةً تنفّذ حقّ الرّقابة على الحكومة من خلال مساءلة الحكومة أو الوزراء وحجب الثّقة عن أحد الوزراء أو الحكومة بكلّ أعضائها . 

وقد سبق لي أن أشرت في مقالات سابقة لحالات كثيرة من الفساد لدى الحكومات العربيّة السّورية بالتّوازي مع الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش ومثّلت لذلك بوزارة التّربية عبر مثال أثبت القضاء العربيّ السّوريّ بطلان ما ادّعته الوزارة والهيئة معاً ، وهو يشير لحالة فساد ، وتمّ بموجبه إلغاء قرار صادر عن الهيئة بالتّعاون مع وزارة التّربية ، وكذلك في تكليف وزراء تمّت في وزاراتهم تكريمات لمن قام بالإساءات للقائد المؤسّس حافظ الأسد وللسّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد وكرّمتهم وزارات محدّدة والغريب أنّهم غدوا وزراء ، ومن ذلك وزارة التّربية في واقعها الحالي ، وكذلك فإنّ حالات من الفساد انتشرت في السّياسة الاقتصاديّة والسّياحيّة ... ؟! ، وقد وثّقت ذلك بصورة دقيقة في أكثر من بحث ومقال كان آخرها بحثي من ثمانية أجزاء بعنوان : " هل في سورية فساد أو أنّ الفساد في سورية ؟ ، وما الأسباب التي تحدّ من مكافحته ؟!" ، وهو منشور في ( معهد طهران للدّراسات والأبحاث الدّوليّة ) ضمن الشّهر الماضي ، ويبقى السّؤال : هل يحارب الفسادَ من كرّم فاسداً عموماً كحال التّربية وغيرها أو مَنْ  كان فاسداً ؟!.

ولنتساءل الآن : ما المعايير التي يتمّ بموجبها تشكيل الحكومة في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ؟!، وهل ستأخذ في الحسبان وجود المعارضة الوطنيّة الدّاخليّة لتمثيلها في الحكومة ؟ وما عدد ذلك التّمثيل ؟ وهل سيحقّق الغاية المرجوة المبتغاة من حيث العدد الممثَّل في الحكومة ؟!، وهل ستكون تلك المعايير مناطقيّة أوسياسيّة أو علميّة تكنوقراطيّة أو شخصيّة تتعلّق بمصالح نفعيّة متبادلة ؟! ، وهل ستكون هناك إجراءات في تغييرات لبعض الوزراء على أنّهم أحد أسباب تردّي الواقع المعيشيّ للشّعب العربيّ السّوريّ بآخرين سواء أكانوا من أحزاب الجبهة أم المعارضة الوطنيّة الدّاخليّة ، أو هل سيتمّ التّغيير الحقيقيّ بعد الانتهاء من جولات اجتماعات اللجنة الدّستوريّة وما سيتمخّض عنها من اتّفاق لاحق ؟!، وهل سيستمر العمل بوجود وزارة أوقاف في التّشكيل القادم للحكومة وكذلك السّيّد وزير الأوقاف الحالي بما يمثّله من اتّجاهات ؟!.. ويأمل الشّعب فصل الدّين عن الدّولة ، وبما أنّ الدّولة لا ترخّص لأحزاب دينيّة سياسيّة ، ولكنّها في الوقت نفسه أسهمت بوجود وزارة أوقاف ضمن الحكومة السّوريّة ، فكان التّناقض واضحاً في الجمع بين أمرين متناقضين ، فالأحزاب عادة هي التي تشكّل الحكومة في الدّول بصورة عامة ، وكذا الحال في سورية ، وهنا يتبادر السّؤال الآتي : 

كيف للدّولة السّوريّة أن تُضمِّن حكومتها وزارة خاصة بالأوقاف ، وهي تعكس توجّهاً دينيّاً ، وقد دعت تلك الوزارة إلى بناء المساجد وسوى ذلك من دور العبادة ممّا له علاقة بالدّين ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم ، وكذلك الجماعات الإسلاميّة كالقبيسيّات ، وإضافة لذلك كان الإسلام مصدر التّشريع السّوريّ في الفقرة الثّانية من المادة الثّالثة للدّستور ، وكان قانون الأحوال الشّخصيّة الذي ما زال ضمن محور الشّريعة الإسلاميّة .
 
ويأمل الشّعب أن يتمّ التّكليف في العمل الوزاريّ ضمن المعايير الوطنيّة التي تحقّق الوحدة الوطنيّة الشّاملة لتعيد لسورية ألقها ووحدتها ، وليس كتلك الحالة الظّاهريّة التي يشهدها لبنان الشّقيق في الطّائف الذي قسّم المناصب فيها تَبَعاً للمحاصصة والتّقسيمات الطّائفيّة .
إنّنا في سورية نأمل أن يتمّ اعتماد التّكليف وتشكيل الحكومة ممّن يحمل فكراً تطويراً يؤدّي لتطوير الوزارة التي سيعمل لها ، وليس بالضّرورة أن يكون منتمياً لحزب معيّن لأنّ التّطوير لا يقيّده حزب وتوجّه سياسيّ ، وأن يكون التّكليف أيضاً منسجماً وتطلّعات السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار الأسد في تحقيق آمال الشّعب وتأمين متطلّباته المعيشيّة الكريمة ، وهذا ما نصّ الدّستور عليه في فقرته الثّانية من المادة الأربعين التي نصّت على " ألّا يقلّ المردود للعامل عن الحدّ الأدنى للأجور الذي يضمن متطلّبات الحياة المعيشيّة وتغيّرها " ليكون ذلك تنفيذاً لشعار سيادته الذي اعتمده سيادته ( الأمل بالعمل ) للتّرشّح لرئاسة الجمهوريّة مؤخّراً ، وقد نال ثقة الشّعب ومحبّته . 

وختاماً : فإنّ السّيّد الرّئيس _ حفظه الله _ قد أشار قبلاً إلى تقصير الحكومة في موضوع الغاز وسواه وضرورة امتلاك المعلومات الصّحيحة عندما ادّعى السّادة المسؤولون عدم وجود أزمة ، فهل سيمتلك السّادة الوزراء المصداقية والشّفافيّة والجرأة التي كثيراً ما أكّد عليها سيادته ؟! ، وهل ستشهد سورية قريباً قفزة نوعيّة في تغيير عمل الحكومة وأسلوب أدائها أو سيبقى الأداء الحكوميّ بعيداً عن هموم الشّعب ومتطلّباته إلّا في الإعلام والخطاب الإعلاميّ الرّسميّ للسّادة الوزراء ؟ وهل سيبقى التّناقض مستمرّاً بين التّصريحات الخاصة بهم وأدائهم ؟ وهل سيكون الدّور الرّقابيّ موجوداً لنتبيّن لاحقاً محاسبةً حقيقيةً للسّادة الوزراء الذين يقصّرون في أدائهم الحكوميّ عبر مجلس الشّعب وليس الإقالة التي كثيراً ما كانت تكريماً ؟ ، وهل سنشهد بالتّالي تغييرات في أداء الهيئة المركزيّة للرّقابة والتّفتيش عبر متابعة حقيقية للحكومة وأعضائها وليس التّناغم معها وكذا الحال في مجلس الشّعب ؟!. 

هذه الأسئلة وغيرها أضعها بين يدي السّيّد الرّئيس الدّكتور بشّار حافظ الأسد حفاظاً على دستور الجمهوريّة العربيّة السّوريّة ، الذي يعبّر عن تطلّعات الشّعب العربيّ السّوريّ ولما يمكن أن يكون في طريق وحدة سورية وشعبها وتماسكها والانتماء للوطن وتعميقاً لمفهوم الوطن والمواطنة ، والولاء للسيّد الرّئيس حفظه الله ، وإنّي على أمل أن يصل ما ذكرته للسّيّد الرّئيس . 
  
بقلم الباحث والمحلّل السّيّاسيّ :
وعضو اللجنة الإعلاميّة لمؤتمر الحوار الوطنيّ في سورية