الطريق الاسلم


"إن المرجعية الدينية العليا تشجّع الجميع على المشاركة الواعية والمسؤولة في الانتخابات القادمة، فإنها وإن كانت لا تخلو من بعض النواقص، ولكنها تبقى هي الطريق الأسلم للعبور بالبلد الى مستقبل يرجى أن يكون أفضل مما مضى، وبها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي."
بهذه الكلمات حددت المرجعية الدينية موقفها من الانتخابات. ولئن كان البعض يتضايق من تدخل الدين بالشؤون السياسية، فان هذا التدخل الذي يمارسه الامام السيستاني مفيد جدا للعراق، لانه يسهم في بناء منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري للمجتمع العراقي بعناصره الخمسة وهي الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. ولو كان تدخل بطريقة سلبية لا سامح الله، لاعترضنا عليه.
في مناسبة سابقة ارسى الامام السيستاني احد اهم مفردات هذه المنظومة وهو انبثاق شرعية الحكومة من الشعب. فقد قال في ١٥   تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٩ ان "الحكومة إنما تستمد شرعيتها ـ في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها ـ من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة." والاصل القراني لهذه الشرعية هو اية الاستخلاف في سورة البقرة التي تقول:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ". ويلاحظ ان الله في رده على قول الملائكة لم ينفِ الفساد والقتل المحتمل حصوله على يد خليفته، اي الانسان، لكنه كان يرى منافع ومصالح وحكمة في استخلافه لم ترها الملائكة. وخلاصة الحكمة ان الانسان الحر المسؤول افضل من الانسان العبد مسلوب الحرية والارادة. لذلك قال الله للملائكة:"إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".
وحينما اعاد الامام السيستاني، بصفته الفقيه الشاهد على سلامة المفاهيم المتعلقة ببناء الدولة، مصدرَ الشرعية الى الشعب وفقا لهذا المبدأ، فانه نزع الشرعية من "امارة المتغلب"، باي طريقة كان هذا التغلب على السلطة السياسية في البلد. وهذا ما ينبغي على الناس، وخاصة مريدي السيستاني ان ينتبهوا اليه، فليس من الصحيح اسلاميا الاقرار بشرعية المتغلب على السلطة بغير الاستناد الى مصدر الشرعية الوحيد، اي الشعب. ومن هنا يكون الانقلاب العسكري، وحكومة الطواريء، وغير ذلك من طرق الاستيلاء على السلطة، فاقدة للشرعية الشعبية، وبالتالي غير مقبولة دينيا. ويكون هذا التدخل الديني في شؤون الدولة طريقة للحفاظ على حقوق الشعب ومصالحه، بما في ذلك حقه في ان يمنح الشرعية او يسحبها من الحكومة. وهذا في صميم المباديء الديمقراطية التي تمثل الاساس الثاني من اسس الدولة الحضارية الحديثة، بعد المواطنة، ومن ثم سيادة القانون والمؤسسات والعلم الحديث.
هذا على صعيد المبادئ والمفاهيم، واما على صعيد الاليات والوسائل فان الانتخابات هي الالية الاسلم لاستخلاص الشرعية من الشعب، وهي الطريق الاسلم لتداول السلطة، وهي الطريق الاسلم، في حالتنا العراقية الراهنة، "للعبور بالبلد الى مستقبل يرجى أن يكون أفضل مما مضى"، وهذا مايسمى بتحقيق المنافع و المصالح، "وبها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي"، وهذا ما يسمى بدفع المفاسد. والمفاسد المترتبة على سلوك الطرق الاخرى كثيرة يعرفها الناس، وكلها تتمحور حول مفسدة اساسية وهي اقصاء الانسان من منصب الاستخلاف.ويلاحظ ان المرجعية قالت "الطريق الاسلم"، ولم تقل الطريق الوحيد، لانها تعلم بوجود طرق اخرى لكنها ليست بمثل سلامة وجودة طريق الانتخابات. السلامة في الانتخابات تتمثل في كونها طريقا سلميا لتغيير الحكومات، وهذا هو الشرط الاساسي في تعريف الديمقراطية، حسب قول كارل بوبر. فالديمقراطية هي قدرة المجتمع على تغيير حكومته بدون اراقة دماء.
لكن الانتخابات التي تجرى في العراق تكتنفها بعض او الكثير من النواقص والسلبيات، وهذا امر لا يمكن نفيه او نكرانه، غير ان المفاسد والسلبيات المترتبة على العزوف عن الانتخابات اكثر من المفاسد والسلبيات التي تعاني منها حاليا. وبالتالي تتعين المشاركة في الانتخابات، على ان نعالج هذه النواقص والسلبيات في السنوات الاربع المقبلة.