قراءة تحليلية: افغانسان في ظل التوازنات الدولية بعد الانسحاب الامريكي


تكاد تتفرد امريكا عالميا في خلق الحروب وتاجيج الصراعات والازمات وممارسة الارهاب الدولي ومعاقبة الدول والشخصيات بالحصار مرة ووضع الشخصيات المعارضة لها على لائحة الارهاب كما يحلو لها فهي الامر الناهي في العالم .

 ولازالت تحدق بالشرق الأوسط الكبير سلسلة من الأزمات وتعد منطقة خطر داهم تمتد من باكستان وأفغانستان، وتمر عبر إيران والعراق، وسوريا ولبنان وصولاً إلى منطقة الصراع-الإسرائيلي- الفلسطيني. وتتراوح المسائل المطروحة بين الإرهاب والانتشار النووي، وبين الأصولية والافتقار إلى الديموقراطية.

..العالم يترقب بحذر
كانت تجربة حكم الطالبان قاسية على الشعب الافغاني التي امتدت خمس سنوات من عام 1996  لغاية 2001 وكانت هناك فحوة واضحة
زعزعت الثقة وعجلت بخسارة طالبان السلطة في مواجهات شرسة مع القوات الامريكية من جهة والقاعدة من جهة اخرى
 
قاتلت طالبان الامريكان طيلة عشرين عاما وماساعدها على التماسك و المطاولة هو 
وحدة القيادة والبناء العقائدي،،رغم انها فقدت ٢ من امرائها العامين واكثر من نصف قيادات الخط الاول ويبدو انه كان للباكستان دورا بتماسكها ودعمها 

عادت طالبان للواجهة مرة اخرى بعد ان تم الاتفاق
 من الادارة الامريكية في عام 2020 بالانسحاب وتسوية الخلاف مع الحكومة الافغانية مع شروط متبادلة بين الطرفين وهي ان لاتساعد حركة طالبان القاعدة او داعش او الحركات المتطرفة وان يتم تسوية الامور مع الحكومة الافغانية وبالمقابل يتم  اطلاق سراح 5000 معتقل قابع في سجون الحكومة الافغانية وان يتم الانسحاب في اب 2021   ورعت الدوحة تلك المفاوضات
الملفت للنظر ان طالبان دخلت افغانستان مدينة بعد اخرى وانكسر الجيش الافغاني الذي دربته القوات الامريكية لمدة عشرين عاما وغادر الرئيس الافغاني على متن طائرة خاصة تاركا مصير العاصمة كابل  لحكم طالبان .

..الرؤيا الامريكية 
الديمقراطيون والجمهوريون
أثار قرار بايدن سحب آخر جندي أمريكي من أفغانستان بحلول 31 أغسطس/آب على أبعد تقدير، وأسلوب إدارة واشنطن لعملية الانسحاب هذه، انتقادات علنية، حيث انتقد الرئيس الأمريكي
السابق دونالد ترامب ، خلفه بايدن قبل أيام ووصف ما حدث في أفغانستان بالعار وأكبر الهزائم في التاريخ ، كما دعاه للاستقالة من منصبه. 

وكتب بنس في مقال لصحيفة "وول ستريت جورنال" قائلا: إن “الرحيل الكارثي لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن من أفغانستان هو إذلال للسياسة الخارجية لم تشهده البلاد منذ أزمة الرهائن الإيرانيين.

اما بايدن فهو لايزال يدافع عن وجهة نظره قائلا :( إنه لا يأسف على الانسحاب، فالولايات المتحدة لا يمكنها القتال إلى مالانهاية في أفغانستان. مؤكدا في الوقت ذاته أن أمريكا لن تخوض حربا للدفاع عن أشخاص لا يريدون الدفاع عن أنفسهم) 

..بريطانيا ودول اوربا 
 انتقد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الانسحاب الامريكي من افغانستان، واصفا إياه بأنه ".مأساوي وخطير وغير ضروري
 
ان الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة لم تتعلما الدروس المستفادة من العشرين عامًا الماضية، ولم تخطط على المدى البعيد لاهمية المناطق الاستراتيجية التي تشكل تاثيرا في مجريات الاحداث وتقلبات السياسة والاقتصاد لانها فشلت في رؤية واضحة عن المصالح الاستراتيجية البعيدة المدى بل اكتفت برؤية  قصيرة المدى، كما ان غياب الإجماع والتعاون والتسييس العميق للسياسة الخارجية بينها وبين حلفاءها وقضايا الأمن ومحاولة الهيمنة الامريكية على العالم وظهور قوى دولية مناهضة لامريكا مثل الصين وروسيا وجمهورية ايران الاسلامية  اضعف بشكل واضح قوة الولايات المتحدة .


الوضع الجديد وتاثيره في تحفيز التيارات المتشددة..
لازال العالم قلقآ  والدول المجاورة  لافغانستان متخوفة من بروز التيارات الارهابية المتشددة وتاثيرها على دول جوار افغانستان بسبب التجربة القاسية الغير موفقة لسلطة طالبان خلال الخمسة اعوام قبل عشرين عاما ونشاط القاعدة والمواجهات  مما يحفز هذه الجماعات لمعاودة نشاطها بعد خروج امريكا ونجاح طالبان في الاستيلاء على السلطة بيسر ودون مقاومة او تضحيات .
 فهل يُحفز الحركة الجهادية في العالم انتصار طالبان ؟
  شكلت سيطرة طالبان على أفغانستان وبالسرعة التي لم تكن تتوقعها الولايات المتحدة، وأيضا بعد عقدين من الإطاحة بنظامها المتشدد، صدمة لم تهدأ ارتداداتها بعد فيما تسود مخاوف من أن يغذي هذا الحدث الذي وصفته تنظيمات جهادية أو جماعات دينية بأنه نصر تاريخي، من أن يغذي الحركة الجهادية في العالم بعد أن لاحت قبل سنوات بوادر انحصار نفوذها دون أن ينحسر خطرها.

 نعتقد ان هذا يعطي الجهاديين المتشددين زخما كبيرا يجعلهم يعتقدون أن بإمكانهم طرد قوة أجنبية مثل الولايات المتحدة التي تعد دولة عظمى بكل المقاييس وكان واضحا في تصريحات توني بلير وبعض من الدول الاوربية بان خروج امريكا اعطى زخما للجهاديبن المتشددين رغم ان امريكا اشترطت على طالبان بعدم ايواء او اسناد الحركات المتشددة والارهابية 
 كما كان ذلك واضحا من تصريحات القاعدة على موقعها : أن “مسلمي ومجاهدي باكستان وكشمير واليمن وغزة والصومال ومالي يحتفلون بتحرير أفغانستان وتطبيقها الشريعة. فهل تنجح من درس طالبان للانقضاض على السلطة في بلدانها بغياب الولايات المتحدة لذا أن قرار الانسحاب من أفغانستان بهذه الطريقة لم يكن مدفوعًا بالاستراتيجية الكبرى اولا وثانيا لايمكن لامريكا ان تعود مرة اخرى بعد ان  رمت كرة افغانستان بين دول الجوار وطالبان الممسكة للسلطة محاولة كسب الداخل من خلال مشاركة الجميع في السلطة  وتخفيف التشدد ، وطمانت دول الجوار والخارج 
 

تنافس دول الجوار مع اوربا  في افغانستان
في ظل المتغيرات الجديدة.. 
 غالبا مايتاخر الاتحاد الأوروبي في بيان موقفه الحاسم من الاحداث في العالم حتى تتضح صورة موقف امريكا منها 
اما اليوم فالاتحاد الاوربي  قلقآ من روسيا والصين ومن ايران  خوفا من السيطرة على الوضع في أفغانستان.
لم يلوح بالافق وفق هذه القراءة ما إذا كان بإمكان الدول الغربية الآن مواجهة روسيا والصين في أفغانستان من أجل الاحتفاظ بنفوذها هناك جزئيا  بالعكس فان دور الغرب في أفغانستان سوف يتضاءل وسيكون للباكستان حضور قوي باعتبارها الحاضنة لطالبان وللصين حضوة محاولة مد اذرعها للمرور عبر الاراضي وتحقيق مشروع طريق الحرير ولروسيا رغم الماضي الاليم سيكون لها موقفا اخر  بعيدة عن التصادم محاولة التاثير  في مجريات الامور لصالحها ولحلفاءها .
اما جمهرية ايران الاسلامية فانها تراقب المشهد السياسي بتروي تجاه مواقف طالبان وموقفها من عقيدة السلطة المرتبطة بماضي له اثارا سلبية على اتباعها من الشيعة في افغانستان وتبقى دول الجوار متحفظة نوع ما في تصريحاتها او محايدة حتى يتبين الخيط الاسود من الابيض او حتى تسمع او تقرا او ترى مواقفا ايجابيا من حكومة طالبان 

إن الدور الرئيسي للمستقبل  في شؤون المنطقة ستلعبه الآن دول أوراسيا - الصين باعتبارها أقوى دولة اقتصاديا، وباكستان – التي تتمتع بعلاقات سياسية قوية مع طالبان، وكذلك روسيا وإيران ودول المنطقة ، أي دول آسيا الوسطى .

 امريكا هل ستخرج من العراق وسوريا ؟
ربما الرئيس الأمريكي جو بايدن سيضع حدآ للحرب في سوريا والتي دامت عقداً من الزمن، وجعل تلك المسألة على رأس أولوياته وجدول أعمال سياسته الخارجية، وتعيين مبعوث شخصي في سوريا
فأمريكا تنطوي على نفسها هذا هو الميل الذي خلفه أوباما لترامب وخلفه ترامب لبايدن. 
 بعد شمال سوريا وأفغانستان ، سيأتي دور العراق الذي فرض معادلة الجلاء في نهاية العام وستخرج القوات الأمريكية من كل نقاط الاحتكاك في المنطقة، ستخرج بلا رجوع وستتشكل خارطة جديدة بعيدا عن الاستقطاب الاحادي الى تعدد الاقطاب في العالم وسيكون الاقتصاد لاعبا قويا في الهيمنة على الحروب.


الخلاصة ..
اعتقد ستلجا امريكا بعد هذا الانسحاب الى الاتصالات المستمرة مع قادة طالبان في محاولة لضبط مسار الحكومة الجديدة وبوصلة اتجاهها ثم الى وضع قائمة بالحوافز والعقوبات والإجراءات التي يمكننا اتخاذها ضد حكومة طالبان متحججة بالديمقراطية وحماية السكان المدنيين وحقوق النساء خاصة  حتى تمهد للتدخل في اصدار العقوبات او الحصار ضد حكومة طالبان مالم تخضع لمتبنياتها وشروطها وماتريدة في بقعة فيها من المعادن مايسيل لها لعاب المتربصين لها من جهة وما يحيط بافغانستان من خصوم لامريكا  وبالتالي فان امريكا لن تترك افغانستان لقمة سائعة لدول انتظرت طويلا لرحيل امريكا من المنطقة وستفهم طالبان اللعبة الجديدة مع تاهب دول طالما انتظرت جلاء القوات الامريكية كالصين وروسيا وايران وتركيا والباكستان.